سيكولوجية الجماهير وتفاعلها مع المنتخب الوطني المغربي في كأس افريقيا
فور تنمية.بقلم فدوى هاشم
تعد كرة القدم من أكثر الظواهر الاجتماعية قدرةًعلى استثارة الوجدان الجمعي، لما تحمله من رمزية تتجاوز البعد الرياضي إلى أبعاد نفسية وثقافية ووطنية. وخلال التظاهرات الكبرى، وعلى رأسها كأس إفريقيا للأمم، يبرز المنتخب الوطني المغربي كفضاء إسقاط جماعي تعبر من خلاله الجماهير عن انتمائها، وتعيد فيه تشكيل علاقتها بالوطن. ويثير هذا التفاعل أسئلة علمية حول سيكولوجية الجماهير، وطبيعة تأثيرها في الأداء الرياضي، ومدى تجلي الوطنية في السلوك الجمعي.
من منظور سيكولوجية الجماهير، يعد غوستاف لوبون من أوائل المنظرين لهذا الحقل، حيث اعتبر أن الفرد داخل الحشد يخضع لتحول نفسي يجعله أقل عقلانية وأكثر قابلية للتأثر والانفعال، نتيجة ذوبان الوعي الفردي في وعي جمعي تحكمه العاطفة والعدوى النفسية (Le Bon، 1895). ويلاحظ هذا التحول بوضوح في التفاعل الجماهيري المغربي مع المنتخب الوطني، حيث تتوحد الانفعالات، وتتقاطع المشاعر، ويتحول الفوز أو الإقصاء إلى تجربة نفسية جماعية تعاش باعتبارها شأنا وطنيا مشتركا.
وتتعمق هذه القراءة من خلال نظرية الهوية الاجتماعية التي طورها هنري تاجفيل وجون تيرنر، والتي تفترض أن الأفراد يستمدون جزءا من تقديرهم لذواتهم من خلال انتمائهم إلى جماعات ذات قيمة رمزية (Tajfel & Turner، 1979). وفي السياق الكروي، يمثل المنتخب الوطني جماعة مرجعية عليا، يتيح الانتماء إليها تعزيز الهوية الإيجابية، خاصة في لحظات النجاح. ويظهر ذلك في الانتشار الواسع للرموز الوطنية وفي الخطاب الجماهيري الذي يغلب ضمير “نحن” على “أنا”، بما يعكس درجة عالية من التماهي مع الهوية الوطنية.
أما من زاوية علم النفس الرياضي، فتشير العديد من الدراسات إلى ما يعرف بتأثير الجمهور، حيث يؤثر الحضور الجماهيري ودعمه في مستوى أداء اللاعبين، من خلال رفع الدافعية، وتعزيز الثقة بالنفس، وتحسين القدرة على التحمّل النفسي تحت الضغط (Carron et al.، 2005). ويلاحظ أن الدعم الجماهيري المغربي يشكل عاملا نفسيا مهما في تحفيز اللاعبين، خاصة خلال المباريات المصيرية، شريطة أن يمارس هذا الدعم بشكل إيجابي بعيدا عن الضغط المفرط.
وفي هذا السياق، تبرز الوطنية الوجدانية بوصفها شكلا من أشكال الانتماء النفسي الذي يتجاوز الخطاب الرسمي، ليظهر في مشاعر الفخر والتضامن والتماسك الاجتماعي. ويُفسّر إميل دوركايم هذا التماسك من خلال مفهوم الوجدان الجمعي، الذي يتقوى عبر الطقوس الجماعية، ومنها التجمعات الرياضية، حيث تعاد إنتاج الروابط الاجتماعية ويعزز الإحساس بالمصير المشترك (Durkheim، 1912). وخلال كأس إفريقيا، تتحول مباريات المنتخب الوطني إلى طقس جماعي يوحد الأفراد، ويخفف مؤقتا من حدة الفوارق الاجتماعية، ويعيد الاعتبار لفكرة الانتماء الجماعي.
غير أن سيكولوجية الجماهير لا تخلو من مفارقات، إذ يمكن للعاطفة الجماعية نفسها أن تنقلب إلى إحباط أو توتر في حال الإخفاق، وهو ما يستدعي وعيًا جماهيريًا ناضجًا يوازن بين الدعم المشروع والضغط النفسي، حفاظًا على الصحة النفسية للاعبين وعلى القيم التربوية للرياضة.
وخلاصة القول، فإن تفاعل الجماهير المغربية مع المنتخب الوطني خلال كأس إفريقيا يُمثّل نموذجًا غنيًا لدراسة سيكولوجية الجماهير في علاقتها بالهوية الوطنية والأداء الرياضي. ويؤكد هذا التفاعل أن كرة القدم ليست مجرد ممارسة ترفيهية، بل فضاء نفسي-اجتماعي تعاد فيه صياغة الانتماء، ويُختبر فيه الوجدان الجمعي، بما يجعلها مجالا خصبا للتحليل الأكاديمي في علم النفس الاجتماعي والرياضي.
المراجع
لوبون، غوستاف. سيكولوجية الجماهير. ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، 1991.
تاجفيل، هنري؛ تيرنر، جون. “نظرية الهوية الاجتماعية”، ضمن: علم النفس الاجتماعي، 1979.
Carron, A. V., Hausenblas, H. A., & Eys, M. A. Group Dynamics in Sport. Fitness Information Technology, 2005.
دوركايم، إميل. الأشكال الأولية للحياة الدينية. ترجمة: فوزي بن عبد الرحمن، دار الطليعة، بيروت، 2000.
