OCP

الباحث عبد الخالق مساعد يكتب: «الطواعين والقوارض في الذاكرة المغربية»

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

فور تنمية بقلم الاستاذ الباحث عبد الخالق مساعد

القوارض والفئران ووباء الطاعون في المغرب :la peste التيفوئيد
عام التيفوس: عند العامة هو عام بوكبار وعام بوطابك
عام التحسيس والتوعية عن طريق الطعريجة المراكشية.
عام قال فيه العوام وجمهورالناس: من الشيح إلى التلقيح

تناولت الكتابات الأجنبية الطواعين التي انتشرت بين المغاربة خلال القرن الثامن عشر والربع الأول من القرن العشرين، ومن هؤلاء هنري بول جوزيف رونو، الذي كتب أربع مقالات تباعا سنوات 1921-1923-1925- 1939 ، واعتمد في هذه المقالات على أخبار القناصلة الأجانب وما كتبه الإخباريون المغاربة، كما استفاد في كتابه “الطاعون في المغرب” من الأطباء العسكريين في القوات الفرنسية ومن منشورات “مجلة الصحة والبوليس الصحي”.
لقد بين أن الطاعون بالمغرب كان قبل دخول الحماية،وأشار إلى انه في القرن الثامن عشر 1818 كان على شكل دفعات محلية، لكنه اهتاج سنة 1911 -1912 بقوة وشراسة، ففي دكالة وحدها خلف ما بين 8000 و10000من الوفيات.
وتاريخ الأمراض والأوبئة في المغرب اهتم به عدد من الباحثين المغاربة : كمحمد الأمين البزاز في كتابه (تاريخ الأوبئة والمجاعات في المغرب خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر)، والحسين الفرقان في كتابه (الطواعين) ،وبوجمعة رويان في كتابه (الطب الكولونيالي الفرنسي) .
و سلطات الحماية كونت أرشيفا متينا ومتنوعا يستند إلى النشرات والمعلومات الصحية والإدارية للمستشفيات ومراكز العلاج والممرضيات في مختلف المراكز الصحية بالبلاد، ومن ذلك (نشرات المغرب الصحي) و(نشرة معهد الصحة) و(مجلة التراخوما الدولية) و(أرشيف معهد باستور بالمغرب). واستندت في ذلك إلى تقارير ودراسات الأطباء الذين مارسوا مهامهم في مختلف المراكز الصحية في الفترة الزمنية مابين 1912-1945، وهي مرحلة أوج الحماية حيث شرعت الإدارة الفرنسية في تطبيق سياسة صحية مع مزاوجة بين التعمير وإنشاء المؤسسات الصحية .
وتعود أسباب تفشي وباء الطاعون في المغرب إلى ظروف الحياة اليومية للسكان، من نقص في الاغذية والسكن وطرق العلاج التقليدية،وهشاشة المجتمع المغربي قبل الاستعمار، حيث غياب قنوات الصرف الصحي وتراكم الازبال والقاذورات، وانتشار الفئران في كل مكان واستعمال المياه الملوثة وتردي الأوضاع البيئية.
فأصبحت الحمامات الشعبية التي تذهب الدرن والوسخ ،من العوامل الناقلة للعدوى والعفونات والجراثيم، وخاصة الزهري بسبب ما يتراكم في جنباتها وداخل سطولها، وهو ما وقفت عليه التقارير الصحية في عهد الحماية.
لقد تدهورت الماريستانات، وكثر المشعوذون والدجالون حتى إن الأمراء والاغنياء أصبحوا يلجؤون إلى خدمات الأطباء الأجانب .
و الطاعون ثلاثة أنواع تختلف طرق انتقاله ، وانتشاره من نوع إلى آخر وهي:
الطاعون الدملي: أكثر الأنواع حدوثا، يسرى المرض بين القوارض كالفئران والجرذان التي تعتبر المستودع الطبيعي لهذا المرض، ينتقل فيما بينها بواسطة البراغيث التي تسبب لها الوفاة، ثم تنتقل هذه البراغيث من أجسام القوارض الميتة وتهاجم جسم الإنسان لتتغذى على دمه، وتصبح معدية في عدة أشهرقليلة لاحقة.
الطاعون الرئوي :أكثر أنواع الطاعون خطورة لسهولة انتقاله وانتشاره بين المخالطين للمريض، خاصة في الظروف المناخية والبيئة غير الصحية، وينتقل عن طريق فضلات الشخص المريض إلى الشخص السليم.
الطاعون التسممي :يشبه هذا النوع الطاعون الدملي في طرق انتقاله، حيث ينتقل المرض بواسطة البراغيث من القوارض إلى الإنسان.
أما العلامات المميزة لكل نوع منها فهي كالتالي:
الطاعون الدملي :يصاب المريض بالتهابات حادة، وتورمات مؤلمة في الغدد اللمفاوية القريبة من مكان لدغ البرغوث،خصوصا المناطق الرطبة من جسم الانسان، ولذلك يسمى عندنا ب بوطابك وبوكبار.
الطاعون الرئوي:يتميز هذا النوع بكحة وبلغم غزير، بالإضافة للأعراض العامة للمرض وتسميه العامة ببوجنب
الطاعون التسممي: يحدث هذا النوع في غالب الأحيان كمضاعفات مرضية للنوعين السابقين .
والطاعون او التيفوس ضرب الناس بالمغرب على نحو متقطع مابين 1911 و1928، تفشى بين السكان كان بسبب القمل دون غيره، ذلك أن القمل يترك برازه وإذا حك المصاببالقمل المكان بأظافره تسربت الجراثيم من البراز إلى الجسم، فتقع الإصابة بالتيفوس.
وهذا الوباء يتميز بتكون تورم وكتل من الغدد في العنق، وتحث ثنية الإبط، كما تظهر بقع سوداء على الجسم تشبه الكي بالنار، ففي سنة 1913 اكتسح هذا الوباء السهول الأطلنطية من أبي رقراق إلى تانسيفت تشبه الحروق .
لقد توصل رونوفي بحثه عن المركزالأصلي للطاعون، فتبين له انه بدا من تافيلالت ، وقبل ذلك تناول فرضيات عديدة منها إمكانية قدومه إلى المغرب من السنغال عن طريق البحر، وبين أنه لا توجد علاقة بحرية بين داكار والبيضاء، وان أول حالة ظهرت هناك كانت سنة 1919 أي بعد تفشي الوباء في المغرب. وأورد الفرضية القائلة بوجود بؤرة للوباء في أقصى الجنوب المغربي ينقل منه السوسي والدراوي والفيلالي عدوى الطاعون نحو دكالة ،كما وقف على دور القوافل والمسارب الرئيسية والرحلفي نقل العدوى، وما كان يعرض في الأسواق من أسمال وأمتعة من قتلهم الطاعون.
لكنه بين أن هذه الفرضيات لا تستقيم إلا بالحديث عن ناقل أساسي آخر للطاعون وهو الفأر، إذ لم يكن الأهالي يتفطنون أن موت الفئران يواكب تفشي الطاعون، كما لاحظ رونو أن حالات الطاعون تتكاثر بين الطحانين والخبازين ومستخدمي مصالح التموين، لما لهذه المهن من اتصال بالبيئة والوسط الذي تعيش فيه الفئران، كما تحدث عن دور الفار كمعيل للبراغيث الناقلة للعدوى، وتحدث عن الوسط الترابي المناسب لهذه الفئران في حفر جحورها كتربة الحمري والتيرس السهلتين، بحيث توفر للفئران جحورا عميقة وآمنة.
وفي آخر كتابه:(الطاعون في المغرب)، لخص خصائص الطاعون ،وبين تعدد مراكزه ،واستقلال هذه المراكز عن بعضها البعض كما بين انه متوطن بدكالة والشاوية.
وشدد على أنه على فرنسا أن تحمي المغرب من تفشي الطاعون بحراسة الرحل والفأر، لان هذا وحده هو الذي سيخلصنا من هذا الوباء الذي استقر بالمناطق الغربية من المغرب، وهو ما سيفتح للاستعمار إمكانية استغلال هذه المناطقالتي ظل حذرا منها .

ورغم هذه الجهود إلا أنها كانت منصبة على المدن وعلى البوادي التي بها مصالح حيوية للمعمرين، وهي سياسة صحية مبنية على المصلحة الاقتصادية للاستعمار، فقد اقتنع السكان المحليون المغاربة بفعالية العلاج الاوروبي والطب الباستوري المبني على التشخيص، وحصل انتقال من الشيح إلى التلقيح، وتحول مركز الثقة من العطار إلى الصيدلي ،لكن هذا الانتقال كان يجري بشكل بطيء جدا .
ومحاربة الطاعون في جهة مراكش اتخذت أسلوبا غريبا في التوعية والتحسيسبخطورة هذا الوباء ، ففي شهر يناير سنة 1938وبعد حملة التلقيح الجماعية بجهة مراكش، وتزامنا مع عيد عاشوراء ، تجاوب الصناع التقليديون العاملون في صنع آلة الطعريجة مع هذا الحدث الصحي، ففي جميع الأسواق بالمدينة والحوز، لوحظ أن الطعريجة الآلة الطربية التي تباع بهذه المناسبة بكثرة، لوحظ أنها في نقوشها والألوان المزينة لها والرسوم التي عليها ، تحمل صور حدث التلقيح ، هذا الحدث الذي يميز 1937 و1938. فقد تفنن صناع الطعريجة في طرح موضوع محاربة القوارض والفئران ،وأبدعوا في رسم الفلاح المغربي وهو يصطاد ويحارب الفئران التي تخرب المحاصيل الزراعية . كما واكبوا حملة التلقيح ضد التفوئيد مرض التيفوس برسم الطبيب وهو يقدم جرعات التلقيح والأمصال ضد هذا الوباء

 

(في شهر يناير 1938 وبمناسبة الاحتفال بعاشوراء مصممو وزواقيو وملونو الطعريجة اختاروا كنمط وألوان مضيئة موضوع التلقيح ضد التيفوئيد الحمى حدث ميز هذه السنة. وكذلك الأمر سنة 1941 حيث ظهرت في أسواق مراكش آلات الطعريجة والتي تحمل في رسومها صورا مستوحاة من غزوالقوارض وهو حدث ميزهذا العام حتى سمي:(بعام الفئران).
ونقدم هنا صورة فوتوغرافية مستنسخة لاثنتين من الطعريجات الأكثر نموذجية واللتان تبينان الحجم والدرجة الكبيرة التي انتشرت بها الفئران حتى إن ذلك الأمر اثر في نفوس السكان في موسم الحصاد وبالضبط قبل بداية الوباء البشري) .

ترتبط هذه الرسومات ببعض أحداث السنة الماضية التي لا تنسى، وبالخصوص الأحداث التي استحوذت على مخيلات محميينا ، صورة أنتجها عقل وخيال الحرفي والصانع التقليدي حول ما يسمعه كل يوم، وهو في مشغله حول عشرات الآلاف من الطعاريج التي تباع في الأسواق والبلدات البعيدة، والتي تذكر النساء والأطفال بان هذا العام كان عام تكاثر الفئران أو الجراد أو عام التلقيح ضد التيفوئيد ….


صورة مقطعية وأخرى كاملة للفلاح المغربي وهو يصطاد الفئران التي تضر بالمحاصيل الزراعية.

صورة مقطعية للطعريجة وأخرى كاملة لطبيب يلقح مواطنا مغربيا .
لقد شكل الطب أداة من الأدوات التي مهدت لاستمالة العباد، وبسط الحماية يدها على البلاد، ولذلك كانت الصحة خطة من ضمن المخططات التي وضعها بإحكام مهندس الحماية الماريشال ليوطي .
ففي سنة 1929 وبمبادرة من الطبيب الفرنسي ايميل رو، رأى معهد باستورالنور بالمغرب ، فقد وفر هذا المعهد في الفترة مابين 1932و 1935 ما يقرب من أربعة ملايين جرعة لقاحية لأغراض طبية مختلفة، وأكثر من ثلاثة ملايين لقاح ضد مرض الجدري، وعوضت هذه الامصال ما كان يستعمل من أعشاب من شيح وداد ودفلة وغيرها من المواد التي تسبب التسممات والمضاعفات المختلفة.
وكان من نتائج عمليات التلقيح تحسن الأحوال الصحية وارتفاع تزايد السكان، فقد ارتفع عدد السكان من أربعة ملايين سنة 1912 إلى ثمانية ملايين سنة ،1945 وهو ما ساعد على صمود السكان عام الجوع “عام بوهيوف” أي المجاعة الناتجة عن توالي سنوات الجفاف ووباء الحمى الراجعة. وقد بلغ عدد الملقحين ضد وباء التفوس الطفحي سنة 1937 في الرحامنة حوالي 40399 شخص.

 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.