التخصص كخطر سياسي (1)
فور تنمية بقلم منير الحجوجي
في تقديري، يأتي على رأس المشاكل الكبرى للمدرسة المغربية قضية التخصص كعائق ابستمولوجي-سياسي يمنع من التفكير في القضايا/الاحتقانات الابستمولوجية-السياسية الكبرى. يؤدي الاستغراق في التخصص إلى عزل القضايا عن بعضها، الى تشتيتها. التخصص هو النقيض الجذري للفكر: أن تفكر هو أن تربط Penser c’est relier. بالنسبة للمدرس التقطيعي/التشتيتي، لا وجود لأية علاقة بين دوزيم والناتج الخام المغربي، ولا بين ضرب المرأة (الضرب السياسي) وتفاقم التخلف، ولا بين الدين المالكي والاختفاء القادم للمغرب من على الخريطة الدولية، ولا بين ما يدرس وتغول الافتراس الدولي/المحلي..
والحال أن الأستاذ المغربي وعوض أن يجعل من اللقاء بالتلاميذ فرصة للتفكير في القضايا في شموليتها والتساؤل عما إذا كان هناك ما يوحدها خلف “تشتتها”، نجده يشن الحرب على كل “انزلاق” نحو الفكر المركب، الفكر الذي يحاول فتح أعين التلاميذ على تعقد/تشابك الظواهر/الأحداث. لا بد أن نعترف أن أفضل ما نقوم به في فصولنا أننا نختزل المشاكل/القضايا داخل واحد من أبعادها، ناسين أو متناسين أن الظواهر، كل الظواهر، حتى “التافهة” أو “الصغيرة” لا تأخذ معناها الا ضمن تشابكاتها/تعالقاتها الجذرية. يجب أن نعترف أننا نفضل كأساتذة – لأننا نجد في ذلك راحة معرفية نادرة، راحة مسمومة كما سنرى- إرجاع البنيات إلى واحد من عناصرها حتى يسهل علينا “فهمها”، نقوم بكل ما في وسعنا حتى نبقي الحواجز في مكانها والأسوار على حالها، ولا نرتاح إلا وقد نفينا الروابط التي تشدها إلى بعضها. والنتيجة، بطبيعة الحال، هي منع الأولاد من أدوات الفهم الدينامي/الشمولي.. والنتيجة، في النهاية، هي خصي أولادنا..
يصعب جدا البقاء في قلب قرن على درجة عالية من الخطورة دون ثورة تربوية.. والبداية، كما عبر ادغار موران مستعيدا فكرة مهمشة ولكن ثورية لماركس، هي إعادة تربية المربين.
أغلب أساتذة المغرب يظلون حتى وهم زملاء في نفس المسلك أو الشعبة بل ونفس المادة غرباء عن بعضهم البعض، لامبالين نحو أي إنصات معرفي بينهم، متوجسين من كل لقاء قد يفتح على مناطق التقاطعات الحارقة. فما يهم هو تدريس المعارف، أي، بعبارة أخرى، نقل/زرع التفككات/الانعزالات المعرفية مهما كان الثمن المعرفي وبالتالي السياسي على عقول أولادنا..
تقديري أنه لا يمكن لطالب كيفما كان تميزه أن يفهم تعقيدات/سرطانات عالمنا بالكفاءة “الأكاديمية” فقط، ولكن – وهذا أمر هام جدا- بامتلاك أدوات أكبر وأعمق، الأدوات التشبيكية، أدوات الربط/الموضعة في قلب كل ما يتحرك فوق ركح عالمنا..
ليس غريبا اذن أن ترتعب “الدولة” المغربية من هذه البيداغوجيا الشبكية/التشبيكية.. تعلم “الدولة” أن تربية المغاربة على تطوير هذا النوع من الفهم قد تحولهم إلى ذوات متنورة ابستمولوجيا/سياسيا، أي ذوات، في النهاية، قادرة على فك/تغيير شفرات اللعبة…. من الصعب على دولة جعلت من الأمية خيارا استراتيجيا أن تأخذ قرارات تقود، في أخر المطاف، الى الفتك بها..
أتصور أن “إصلاح” المدرسة المغربية لا يمكن أن يتم ببهلوانيات يحركها أفق انتاج الطالب/مشروع خماس العولمة.. كل ما جربناه لم يعطنا إلا متخصصين أميين كما سبق وأن أشار العظيم لوسيان غولدمان، أي أشخاص بقدرات “عالية” في مجالات تخصصهم ولكن لا حول ولا قوة لهم عند مناقشة ومعالجة الجذور/الأرحام/التشابكات العميقة لقضايا عالمنا..
الأغلبية الساحقة للأساتذة المغاربة يكررون معارف باردة.. هؤلاء الأساتذة ينسون شيئا أساسيا: إن زمن التدريس الذي لا يقود إلى تحريك الخلايا التشبيكية/التحريضية قد ولى. التعليم قضية إنسانية، التزام وجودي حضاري سياسي ذهني عاطفي شامل من أجل التلاميذ، تلك الكائنات التي تنتظر على الدوام أن نمنحها أفضل الأدوات المساعدة على الإبحار وسط عالم يتحول كل يوم أكثر الى غابة جذرية.
هامش:
1- من الجماعي اضاءات على مغرب الاستثناءات.. رفقة العزيزين بلال الهنا وياسين كني.. دار بصمة لصناعة الكتاب.. 2021..
