الباحث يوسف أقرقاش في حوار مع فور تنمية : الاحتجاجات لا تغيّر الأنظمة… لكنها تغيّر وعي الشعوب
فور تنمية: حاوره خالد سلامة
في سياق التحولات العميقة التي تعرفها البلاد، ومع بروز جيلٍ جديد يفرض أسئلته ويعيد تشكيل خرائط الفعل الاحتجاجي خارج الوسائط التقليدية، أجرت جريدة فور تنمية هذا الحوار الفكري مع الباحث والأستاذ الجامعي يوسف أقرقاش. يأتي هذا اللقاء في لحظة تتقاطع فيها أزمة الثقة في المؤسسات مع صعود أنماط جديدة من التعبير السياسي، وفي وقت يتردد فيه سؤال جوهري: هل تمثل احتجاجات جيل Z بداية لتحول في مفهوم السلطة والديمقراطية، أم أنها مجرد صدى لتراكم اجتماعي وسياسي طويل؟
بين قراءة تاريخ الدولة الحديثة، وتشريح بنية السلطة، وتحليل أشكال الاحتجاج الرقمي، يقدم أقرقاش رؤية نقدية معمقة تساعد على فهم هذا الجيل خارج الصور السطحية والاتهامات الجاهزة، واضعًا أسئلته في إطار فلسفي وتاريخي يفتح النقاش حول مستقبل التعاقد الاجتماعي في المغرب.
فور تنمية : كيف يمكن قراءة ظاهرة جيل z في ضوء التحولات التي يعرفها مفهوم السلطة اليوم، بين منطق الهيمنة التقليدية ومنطق المشاركة الأفقية؟
أقرقاش: قبل أن أجيب عن السؤال، أود أولا أن أتوجه بكلمة شكر وتقدير إلى طاقم جريدة 4تنمية على هذه الدعوة الكريمة لإجراء هذا الحوار، متمنيا لهم كل النجاح والتوفيق.
وبالعودة إلى سؤالكم المتعلق بتشخيص الصلة الحاصلة بين ظاهرة جيل Z والتحولات التي يعرفها مفهوم السلطة، أود في البداية أن أشير إلى أنه إذا كان المقصود بظاهرة جيل Z الاحتجاجات التي عرفتها مجموعة من المدن المغربية، أواخر شهر شتنبر والتي استمرت طيلة شهر أكتوبر، فالظاهرة ليست بجديدة، بل هي تراكمٌ للتجارب الاحتجاجية التي عرفها المغرب في العقود الأخيرة، وبالخصوص احتجاجات 20 فبراير سنة 2011 وحراك الريف أواخر سنة 2016 والذي امتد طيلة النصف الأول من سنة 2017. والقاسم المشترك بين هذه الاحتجاجات هو التنديد بالسياسات الحكومية والمطالبة بالتغيير، بالإضافة إلى كونها قد شكلت تحديا للسلطات المغربية، ودفعتها إلى التفاعل والاستجابة لبعض مطالبها. وإذا كانت احتجاجات جيل Z تختلف عن احتجاجات 20 فبراير وحراك الريف (وإن كانت تشترك مع هذا الأخير في رفضها للمؤسسات الحزبية والتمثيلية) من حيث التنظيم والتواصل مع الرأي العام، حيث فضل متزعموها أن تبقى احتجاجاتهم بلا قادة أو زعماء مكشوفين، كما أن أغلب أنشطتهم التواصلية ظلت حصرا على الأنترنيت، فهذا الخيار ليس إراديا، ولا يعني أنه يعكس طبيعة جيل Z الذي ترعرع مع الشبكة العنكبوتية، بل هو رد فعل على احتكار السلطة في المغرب للفضاء العام، وعدم السماح للمجتمع المدني أن يقوم بما يُناط به من مهام في تأطير الناس والاستجابة لحاجياتهم العامة والمشتركة مع الأخرين. وهذا الاستحواذ على الفضاء العام هو الذي دفع هذا الجيل لرفض التواصل مع الحكومة والمؤسسات الحزبية، والتوجه بمطالبها مباشرة إلى السلطات العليا في البلد. وإذا سلمنا بهذا التحليل، فمعنى ذلك أن جوهر السلطة في المغرب لم يتغير كثيرا، وأن السلطات الممثلة لهذا البلد لا زالت وصيةً على الناس وعلى الفضاءات العامة، من دون أن تسمح لأي جهة أخرى أن تشاركها في التدبير أو في اتخاذ القرار السياسي.
فور تنمية : في ظل ما يسميه بعض المفكرين “أفول النماذج الكبرى”، هل يمثل جيل Z نهاية للسياسة بمعناها الكلاسيكي أم بداية لنمط جديد من الفعل السياسي القائم على الرموز والثقافة الرقمية؟
أقرقاش : إذا حاولنا أن نجيب عن هذا السؤال بالاقتصار فقط على ظاهرة جيل زيد، فقد يكون من الصعب فهم طبيعة الممارسة السياسية الحالية؛ لكن إذا اعتبرنا أن احتجاجات هذا الجيل استمرارية للاحتجاجات التي عرفها المغرب من قبل، والتي عرفتها فرنسا مع ظاهرة السترات الصفراء، بالإضافة إلى احتجاجات لبنان قبل وبعد انفجار بيروت وحراك الجزائر، وقبلهم احتجاجات “الخامس عشر من ماي” سنة 2008 بإسبانيا، فمعنى ذلك أننا أمام مشهد سياسي بدأت ملامحه تتشكل في الأفق، وأولى هذه الملامح الرفض والتنديد بالمؤسسات الحزبية والنقابية، وكل ما له طابع تمثيلي بشكل عام، حيث من الصعب بمكان العثور على من لا يزال يؤمن بجدوى هذه المؤسسات، بل هناك رأي عام يعتبر أنها مجرد مؤسسات صورية لا تقدم ولا تؤخر في ما يخص التدبير السياسي؛ وربما قد يكون ألكسيس دو طوكفيل مُحقا حين كتب قائلا: “لم يكن بمستطاع البرلمانات أن تمنع الشر الذي كانت تسببه الحكومة، وفي كثير من الأحيان كانت تمنع الخير الذي تريد الحكومة أن تحققه”. غير أن كُفْرَ الناس بالمؤسسات التمثيلية لا يعني أنهم يؤمنون بالمؤسسات السيادية حين يخاطبونها ويتوجهون إليها بمطالبهم، بل هم يفعلون ذلك فقط لأنهم مقتنعون أنها المؤسسات الماسكة بالسلطة فعلا، وهي وحدها المسؤولة عن تدبير كل ما يرتبط بـ”المجال العام”.
إذن فاحتجاجات جيل زيد ليست بظاهرة جديدة في ما يرتبط بالتعبير عن الاحتقان واليأس من الممارسات السياسية القائمة، بل هي تجربة تنضاف إلى التجارب الاحتجاجية السابقة عليها. أما إذا اختارت أن تتفرّد بأساليب احتجاجها وتواصلها، بالاعتماد الكلي على الإمكانات والفضاءات التي تُتيحها الشبكة العنكبوتية، فمرد ذلك إلى الخوف الذي ينتاب الناس حين يواجهون السلطة، لاسيما وأنهم يعلمون أن قادة الاحتجاجات السابقة لجيلهم لايزالون يقبعون في السجون، ولا يريدون أن يُواجهوا المصير نفسه.
فور تنمية : من منظور فلسفة الديمقراطية، هل يمكن اعتبار احتجاجات جيل Z استمرارًا لمسار التحديث الديمقراطي أم مجرد رد فعل سيكولوجي على فشل النخب السياسية في التمثيل؟
أقرقاش : في ما يرتبط بسؤال جيل زيد والتحديث الديمقراطي، أظن بأنه لا ينبغي أن نُحمل هذا الجيل أكثر مما ينبغي، ولا يجب أن نربط اسمه بأي مطلب ديمقراطي؛ فقد خرج الشباب مُنددين بالسياسات الحكومية في قطاعي الصحة والتعليم ومطالبين بخلق فرص الشغل، وهذه المطالب لا صلة لها بالحُكم ولا بالديمقراطية. وقد يكون من الإجحاف أن نختزل المطالب المادية للناس (الصحة والتعليم والشغل) في بعض المصطلحات المجردة والشعارات الطنانة، كما هو الحال بالنسبة لمطلب الديمقراطية، وهو ديدن النخبة السياسية عموما. إن المقام لا يسمح بالخوض في بعض التفاصيل التاريخية للكيفية التي ظهر بها هذا النمط من الحُكم في عهد صولون (القرن الخامس قبل الميلاد) بأثينا اليونانية، لكن إلى حدود القرن الثامن عشر، لا أحد كان يتكلم عن الديمقراطية بالصورة نفسها التي نتبناها اليوم؛ فشارل مونتسكيو، صاحب نظرية الفصل بين السلط، كان متوجسا من الحكومات الديمقراطية، وكان يفضل عليها الحكومات المعتدلة (خليط من الملكية والأرستقراطية والديمقراطية)؛ كما شكّك جون جاك روسو، وهو فيلسوف أنواري وصاحب “العقد الاجتماعي”، في إمكانية تحقق الحُكم الديمقراطي، لأن تحققه في نظره يقتضي “وجود شعب من الملائكة”.
وإذا خرج جيل زيد منددا بالمؤسسات التمثيلية، فيجب أن نبحث عن الداء في التمثيل والمؤسسات التي انبثقت منه. ومن سيطالب بالديمقراطية ويختزلها في سيادة القانون والفصل بين السلط، من دون أن يعرف شيئا عن الكيفية التي ظهرت بها المؤسسات النيابية، والظروف التي أحاطت بالصراع على السلطة خلال القرن السابع عشر، وبالخصوص الحرب الأهلية الإنجليزية، سيكرر التجارب السياسية تلو الأخرى، من دون أن يغير شيئا من وجه السلطة.
فور تنمية : يلاحظ أن جيل Z يعيش توترًا بين الرغبة في الحرية الفردية والانتماء إلى جماعات افتراضية. كيف تفسر هذا التعارض في ضوء تصورك لمفهوم” الذات في زمن الشبكة”؟
أقرقاش : إن صور التوتر بين الفرد والجماعة معضلة كبيرة، والخوض فيها يحتاج منا الوقوف على الظروف التي كانت وراء ظهور الفردانية individualisme عندما بدأت الشعوب الأوربية تتخلص من الفيودالية وتنتقل تدريجيا إلى الأنظمة الرأسمالية. وإذا اعتبرنا أن الدولة ذات السيادة (وحدة السيادة) هي الصورة السياسية للنظام الرأسمالي، فبوجود هذه الدولة انتفى من الوجود شيء اسمه الجماعة، لأن أساس وجود الدولة تفكيك الروابط بين الفرد والجماعة. وكثيرا ما عمد الملوك في أوربا على تشجيع عمليات فرار الأقنان من أسيادهم نحو المدن التي بدأت تتشكل منذ أواخر العصر الوسيط، وقد ارتقت هذه الممارسة إلى درجة وضع قوانين تمنع الأسياد من استرجاع الفارّين من وصايتهم (لمعرفة تفاصيل أكثر عن الموضوع يرجى العودة إلى مؤلف تاريخ أوربا؛ من الفيودالية إلى الأنوار للمؤرخ المغربي محمد حبيدة). وقد كسبت الدولة من تفكيك الروابط بين الأفراد والجماعات إضعاف الجماعة من جهة، وإبقاء الفرد تحت رحمتها من جهة ثانية. وهكذا تغوّلت الدولة وصارت هي كل شيء بالنسبة للأفراد، وكثيرا ما نُعبر عن هذا الارتباط الجديد بالقول إما الدولة أو الفوضى. وحين يعجز الأفراد عن تدبير شؤونهم بأنفسهم، ويعجزون في الآن نفسه عن مواجهة سلطة الدولة، يتقوقعون على أنفسهم ولا يعود يهمهم إلا النجاة بالذات. وهذه الغاية الأخيرة هي المؤسِّسة لمطالب الحريات الفردية وحقوق الأقليات والعدالة متى انتهكت حقوقهم المادية.
هذا في ما يرتبط بأصل الحقوق الفردية، أما في ما يخص ميل جيل زيد إلى تكوين جماعات افتراضية، فهذه الواقعة تعبر هي الأخرى عن كون الأفراد محرومين من أي قوة (في الأصل كانت قوة الجماعة) تدعمهم في مواجهة سلطة الدولة؛ لذلك فهم يتكتلون في ما بينهم من أجل التعاطف أولا، ومن أجل التضامن ثانيا، وهو ما يُحسّسهم بالقوة والرغبة في استمرار المواجهة مع القوة الغاشمة للدولة.
فور تنمية : كيف تقرأ علاقة جيل Z بـ“الدولة”؟ هل هو جيل يسعى لتقويض سلطتها الرمزية، أم لإعادة تعريفها بما يتناسب مع قيم الشفافية والمواطنة الرقمية؟
أقرقاش : سبق وأن أشرت في حوار سابق، مع جريدتكم الموقرة يتناول موضوع أزمة كورونا، إلى أن الأزمات ما هي إلا فرص لتغير الثعابين جلدها؛ وما ينطبق على أزمة كورونا يمكن أن ينطبق على أي ظاهرة احتجاجية. وربما حتى إذا عدنا إلى تاريخ الاحتجاجات التي عرفها العصر الحديث، فلن نقف على أي ظاهرة احتجاجية قد حققت ما حققته الثورة الفرنسية سنة 1789. لقد استطاعت هذه الأخيرة أن تغير النظام السياسي في فرنسا، كما استطاعت أن تغير الكثير من المعطيات السياسية، وأسست كذلك للكثير من الحقوق التي يتمتع بها العالم المعاصر، خاصة من ارتبط منها بقيم الحرية والمساواة؛ لكن ورغم كل ذلك ظلت أركان الدولة قائمة، وخرج القادة السياسيون الذين خلفوا الملوك في الحكم بسلط وصلاحيات أكبر، إلى درجة أن صار فيها القائد المنتخب يُلقب بصفة “ملك من دون تاج”. وقد أوردت هذا المثال التاريخي لأبين بأن الاحتجاجات لا تقوض سلطة الدولة أبدا، وإذا انتزعت صلاحيات من أحدٍ فهي تمنحها مضاعفة إلى منافسيه في الحُكم.
لكن لماذا لا تنال الاحتجاجات والثورات من سلطة الدولة؟ للجواب عن هذا السؤال، يتوجب علينا أن نعرف كيف تشكلت الدولة نفسها؟
تشكلت الدولة في أوربا في خضم حروب المائة عام (القرن الخامس عشر) بين فرنسا وانجلترا وحروب الثلاثين عاما (القرن السابع عشر) بين مجموعة من الأمم الأوربية، وبالخصوص بين فرنسا وألمانيا، لذلك يقول الأوربيون إن “الأمم الأوربية عرفت الدولة وهي تمارس الحرب”. وإذا كانت الدولة صنيعة الحرب، فينبغي أن نعيد النظر في العلاقة بين الحرب والسياسة بالطريقة التي يُحددها كلاوزفيتز، فليست “الحرب سياسة دائمة لكن بوسائل أخرى”، بل العكس هو الصحيح، “السياسة حرب دائمة لكن بوسائل أخرى”، كما يقول ميشيل فوكو. وإذا صح هذا التعريف الأخير، فلا يجب أن ننتظر من الاحتجاجات أن تقوض سلطة الدولة، لأن الدولة هي التي تحاربنا ليلا نهارا، ونحن لا ننجو من حروبها إلا بما ندفعه من إتاوات وضرائب، معلنة أو غير معلنة، افتداء لرقابنا. وإذا كان القدماء يعرفون السلطة باعتبارها “الحق في الحياة والموت” أو “الحق في الرقاب” بتعبير المسلمين، فهم يعرفون بالضبط عما يتحدثون.
فور تنمية : إلى أي حد يمكن القول إن جيل Z يعبر عن فقدان الثقة في المؤسسات أكثر مما يعبر عن إرادة تغيير؟
أقرقاش : التغيير والإصلاح من المصطلحات التي يميل إليها الناس هروبا من واقع لا يريدون الاعتراف به، وقد سبق لدو طوكفيل أن عبر عن ذلك، بعد أن درس في مؤلفه النظام القديم والثورة الفرنسية أرشيف فرنسا منذ القرن الخامس عشر، بالقول إنه لم يعثر على كلمة إصلاح، في تاريخ الإصلاحات التي تبنتها الحكومات الفرنسية المتعاقبة منذ القرن الخامس عشر، إلا وجاء بعدها المزيد من الفساد. لذلك لا نتوقع شيئا كثيرا من احتجاجات جيل زيد، ولا من الاحتجاجات التي ستليه مستقبلا، باستثناء تراكم مشاعر الاستياء من المؤسسات التمثيلية، وبالخصوص المجالس النيابية؛ لأن التغيير لا تصنعه الإرادات وإنما الظروف والأحوال الاقتصادية والاجتماعية. والظروف التي أفرزت الأنظمة الدَّوْلَتِية (الدولة الحديثة)، والمتمثلة في الإنتاج الصناعي والنمو الديمغرافي الذي ساهم في تكدّس الناس في المدن، لا يزال مفعولها جاريا ومستمرا. وإذا صحّ هذا الكلام، فمعنى ذلك أن احتجاجات جيل زيد هي في الواقع تصريف لمشاعر الاحتقان واليأس لا غير، أما قضية الإصلاح والتغيير فهي أمر يتجاوز قدراتها وإمكاناتها.
لا نقول هذا الكلام من أجل التيئيس وفقدان الأمل من الفعل الاحتجاجي، وإنما لنتعلم كيف نحتج وكيف نصوغ المطالب. فإذا كنا نعلم أن المنصب السياسي يتيح لصاحبه امتيازات لا حصر لها، فالاحتجاج ينبغي أ ن ينصب على الصلاحيات والامتيازات نفسها لا على من يتمتع بها؛ وإذا كنا نعلم أيضا أن القادة السياسيين يستقوون على الناس باحتكار المجال الاقتصادي، فلا يجب السماح لهم بممارسة الأنشطة اقتصادية، للحيلولة دون استغلال المنصب السياسي من أجل الربح، وهذه ممارسة كانت معهودة عند القدماء، وأرسطو يذكر في كتابه السياسات Les politiques بأن الأثينيين كانوا يستبعدون كل من عرف عنهم الجشع من تقليد أي مهام لها صلة بالمجال العام؛ وحين يتحقق ذلك يأتي الإصلاح والتغيير بشكل تلقائي.
الاحتجاج ضد السلطة لا ينبغي أن يتخذ دائما صورة المواجهة، وإنما يكفي أحيانا أن نكشف حقيقة السلطة للناس والغاية من وجودها، بعيدا عن الصور والاستعارات التي تحيط بها نفسها، حتى تسقط السلطة من تلقاء نفسها. ودو طوكفيل، الذي استحضرته غير ما مرة في هذا الحوار، يقول في هذا الصدد إن من لا يستطيع قطع شجرة يكفي أن يزرع فيها سوسة، وهذه الأخيرة ستتكلف بالباقي.
فور تنمية : كيف ترى تفاعل هذا الجيل مع المقدس السياسي في العالم العربي والمغربي؟ هل هو تفكيك نقدي أم انزياح نحو لا-مبالاة سياسية؟
أقرقاش : الأجيال الرقمية منفتحة على العالم، وإذا كانت لا تزال متشبثة برموز الهوية والانتماء الثقافي والاجتماعي، فهي لا يمكن أن تعترف بأي رمز سياسي؛ لذلك ينصب الفعل الاحتجاجي لهذه الأجيال دائما على التنديد بالمؤسسات السياسية، والتمثيلية منها خاصة، ولا يمكن أن يرقى هذا الفعل ليشمل مؤسسة الدولة نفسها، لسبب بسيط هو أن الناس لا يتصورون بديلا لها بعد، كما أنهم لم يتعلموا أن يفكروا في السياسة خارج جبة نظرية العقد الاجتماعي التي تقول إما “حالة المدنية” أو فوضى “حالة الطبيعة”، أو بتعبير أوضح، إما الدولة أو الطوفان.
فور تنمية :إذا كانت الديمقراطية في أصلها تقوم على العقلانية التواصلية كما قال هابرماس، فهل يمكن اعتبار تفاعل جيل Z عبر الشبكات الاجتماعية شكلًا جديدًا من التواصل السياسي أم انزلاقًا نحو التفاهة؟
أقرقاش : هناك بالفعل من المثقفين من أوصم المحتجين من جيل زيد بالقصور والتفاهة، غير أن أفعال الاحتجاج مهما كانت طبيعتها ومهما كانت أهدافها ومهما كان متزعموها لا يجب أن توصم بالتفاهة؛ لأن الاحتجاج في الأصل تعبير عن الإقصاء والتهميش، ولا يمكن أن نقنع من يعاني من ذلك بخطابات الاستقرار والأمن والسلم، أو باللجوء إلى أساليب التجييش والشيطنة للتحريض ضد المحتجين. الاحتجاج في الواقع يعني أمرا واحدا، يعني أن هناك خلل في التدبير السياسي وخلل في الاجتماع السياسي. وإذا كانت الغاية من الاجتماع السياسي هي حماية الناس وخدمة مصالحهم المشتركة، فلا يمكن أن تشمل المعدومين والفقراء ومن لا ينتمون إلى هذا الاجتماع إلا بأطراف أجسادهم. لذلك لا يمكن أن نبرر شرعية أي مِلكية ولا شرعية أي ثروة، إذا كان بيننا من لا يملك كوخا يأويه، ولا قطعة أرض يسترزق منها.
فور تنمية : في تصورك لمستقبل السلطة والديمقراطية، ما الدور الذي يمكن أن يلعبه جيل Z في إعادة بناء التعاقد الاجتماعي داخل الدولة المغربية؟
أقرقاش : لا يجب أن ننتظر الكثير من احتجاجات جيل زيد إلا من جهة تراكم الفعل الاحتجاجي بالمغرب، كما سبق وأن أشرت. طبعا لا يمكن أن ننكر الهامش الذي أتاحه هذا الجيل في التعبير عن الرأي وتحرير ساحات الاحتجاج من القبضة الأمنية التي نهجتها السلطات بعد حراك الريف؛ غير أن السلطة هي الأخرى تتعلم الدروس من كل أزمة تمر منها، ودائما ما تخرج منها أقوى مما كانت عليه. لكن لو شئنا أن نقارن ما تكسبه السلطة من قمع أفعال الاحتجاجات والانتفاضات مع ما يكسبه الناس في مواجهة السلطة، جاز لنا القول “إن التاريخ لا ينزع شيئا من حقوق الشعوب، بل هو يضيف فقط إلى أخطاء الطغاة”.
