منير الحجوجي يعيد تقديم بيير ربحي: “استعجال تغيير النموذج الحضاري العام”.
فور تنمية:ترجمة منير الحجوجي
بيير ربحي Pierre Rabhi هو مفكر كل تلك الأشياء التي تهدد بإنهاء الحياة فوق الكوكب. بالنسبة لربحي، الوقت ليس للتأمل. الوقت هو وقت تفكيك الأخطار. فضح المنطق الذي يقودنا الى الهاوية. سيدفعه وعيه الإيكولوجي إلى رفض النموذج الإنتاجوي والتقنوي للزراعة. كان من الطبيعي إذن أن يتجه نحو البيولوجيا الدينامية، وهي ممارسة زراعية طورها الفيلسوف والرؤيوي الاجتماعي رودولف شتينر. سيوجه بيير جهوده نحو خدمة البناء الزراعي والتوعية بالقضايا الإيكولوجية والاجتماعية.
سؤال: تدافع عن مجتمع العفة. هل ستسمح الأزمات الحالية ومنها أزمة التقشف التي تطرق أبوابنا بإعادة النظر في النسق الاقتصادي حيث نعيش؟.
بيير ربحي: لا تسرني أبدا هذه الوضعية، ولكني أقول في نهاية المطاف بأن الكائن البشري هو في حاجة لأن يسقط حتى يفهم الأمور بشكل أفضل. والمآزق يمكنها إما أن تنتهي بنا الى فوضى معممة، أو تسمح بإطلاق شيء جديد. وتبقى الفوضى أمرا ممكنا تماما: يكفي أن تنفجر مدينة فرنسية واحدة لتتبعها فرنسا كلها. المشكل اليوم ليس أن نبتهج لهذا الوضع، ولكن أن نبحث عما يمكننا أن نجنيه من هذا المستجد. لقد كشف نموذجنا الاجتماعي عن عدم وجاهته، عن عجزه عن الاستمرار. وأما إذا استمرينا في التشبث بنموذجنا الاجتماعي، فلابد وأن نتجه يوما ما نحو الافلاس الكوكبي. كل البلدان الصاعدة تريد أن تعيش على الطريقة العصرية. من أين لنا بالموارد؟ انه أمر غير واقعي تماما. علينا اليوم أن نعيد التفكير في الحياة وفق نمط يكون في الأن ذاته عفيفا وقويا. أنا أومن كثيرا بقوة العفة. لا أومن في المطلق بقوة الحسابات المالية للأبناك. القوة الحقيقية هي قدرة جماعة بشرية على الاكتفاء بالقليل، القليل القادر – على الرغم من ذلك – على خلق البهجة والفرح. مجتمعنا يفيض بكل شيء، لكننا واحد من أكثر البلدان استهلاكا لمضادات القلق/الاكتئاب بحثا عن ترميم الخسائر التي يسببها “مجتمع المادة”!. نحن نوع فاقد للعقل. كم هي هائلة صنوف المعاناة التي ننتج؟.
سؤال: خلال الحملة الانتخابية (نحن هنا سنة 2012. المترجم) اختفت الإيكولوجيا بشكل شبه كامل من النقاش العمومي. ما رأيك؟.
بيير ربحي: السبب هو أن المواطنين غير واعين حقا بالرهان الإيكولوجي، أي كوننا ملزمين بصياغة إيكولوجيا سياسية قادرة على أن تضع الإيكولوجيا على الواجهة. في الواقع، الإيكولوجيا تهم الجميع. بدون استثناء. أنا ممتن لأولئك الذين يحاولون جعل الإيكولوجيا في قلب النقاش السياسي. لكن الأمر غير عادي بتاتا. لأن الإيكولوجيا هي قضية الكل. انها ما يحدد وجود كل فرد، انها ما يحدد وجود ظاهرة الحياة. كلنا إذن معنيون.
سؤال: تعتبر أن التقدم التكنولوجي يستعبدنا. كيف ذلك؟.
بيير ربحي: الحضارة العصرية هي الحضارة الأكثر هشاشة على مدى كل التاريخ البشري. يكفي أن نزيد في استهلاك الكهرباء والبترول والتواصلات وها هي الحضارة الى الهاوية. حضارتنا لا تقف على أي شيء.. التقدم لا يحرر.. تقدمات عدة جاءت بنوع من الرفاه – لكن هذا الرفاه ليس بالضرورة مقتسما. على البشرية أن تطرح على نفسها هذا السؤال: في ماذا يصلح التقدم؟ وقبل ذلك هذا السؤال: ماذا يعني أن نعيش؟ إذا تعلق الأمر فقط بالاستهلاك، فإني لا أسمي هذا حياة، هذا ليس له أي معنى. نحن نركض كالصبية وراء الأوهام. وهذا يرعبني. رجعنا إلى العصر الحجري، تحولنا الى قطاف، نمر في أروقة (المحلات التجارية) ونقطف ما نستهلك. كل هذا ليس جيدا. تحدثنا عن خفض النمو، هذه الفكرة المغضوب عليها في عالم اليوم، تحدثنا عن إعادة النظر في النمو!.. في القرون الوسطى أكيد كانوا سيحرقونني حيا.
سؤال: هل بالإمكان الاستغناء عن الصناعة والتقدم التكنولوجي في كوكب سيصل عدد سكانه الى 9 مليار؟.
بيير ربحي: التقدم التكنولوجي لا يعيد الانصاف الى العالم. بالعكس. فليست الدول السائرة في طريق النمو هي التي تستهلك أكبر عدد من السيارات والمكيفات. سنخدع الناس إن قلنا بأن الكوكب لن يكفي بسبب أننا سنكون بأعداد كبيرة جدا. يتعلق الأمر بالأحرى بظلم شامل: فنصف ل 7 مليار نسمة عاجزون عن الوصول الى الغذاء في الوقت الذي يمرح فيه الأخرون في بذخ بلا حدود. خمس ساكنة العالم يستهلكون 4/5 الموارد التي يتم انتاجها. سنكون خبثاء جدا إذا ما استحضرنا الديموغرافيا للقول بأنه لن نستطيع الخلاص. لا!. فملايير الناس هم أصلا في ورطة. ليس الفقراء هم من ينهكون الموارد. الديموغرافيا ليست هي السبب. أحس بأن بعضهم يريد اقحام هذه الحجة بشكل خبيث.
سؤال: لماذا اخترت أن تصبح فلاحا بعدما كنت عاملا تقنيا؟.
بيير ربحي: حققت حلمي بالعودة الى الأرض، هنا، في الأرديش، سنة 1961، منطلقا من إيماني بأن نسقنا في العيش هو نسق عديم المعنى. لا أعتقد أني ولدت من أجل أن أنتج وأستهلك وأموت. فهذا أفق محدود نوعا ما!. لقد ولدت من أجل أن أحيا، من أجل أن أعبر عن إعجابي بالأشياء. إذا كنا مضطرين لنعمل حياتنا كلها من أجل أن تفيض القمامات بالنفايات فهذا ليس له أي معنى. منذ فترة ليست بالبعيدة، مع أحداث ماي 68، نزل الشباب الى الشارع للاحتجاج ضد مجتمع الاستهلاك. كانت فترة إفراط. وكان حدس الشبان قويا: نحن لسنا مستهلكين. لقد قام من يربحون الأموال، هؤلاء المهووسون بتسليع العالم، قلت قاموا باحتجازنا حتى يجعلوا منا بشرا عليهم أن يستهلكوا بالقوة ليرفعوا من الناتج الداخلي الخام. انه الغباء بعينه. كان الشبان يقولون: نحن لا نقع في حب الناتج الداخلي الخام!. ثم أطلقوا شعارات هامة جدا، نداءات من أجل الحياة. نحن لا نحيا: لقد تم ترويضنا، وأدلجتنا، والتلاعب بنا حتى نكون مجرد عبيد للنظام. لقد شعر الشباب بتلك الرغبة في العيش، العيش بشغف. ومنذ تلك الفترة لم أعد أرى الشبان ينزلون الى الشارع ليقولوا بأن السيل وصل الزبى. بالعكس، لقد دخلنا مرحلة النقص والحاجة. لقد انتهى زمن يقينيات الأيديولوجيا المنتصرة. اليوم يجهل الشبان المكانة التي سيشغلونها في المستقبل، بل إنهم يجهلون حتى ما إذا ستكون لهم أية مكانة. هل يمكن لهذا النظام أن يستمر؟ لا. لا يجب اذن أن نكذب على أنفسنا: لقد وصل نظامنا الى أقصى مداه. علينا الأن أن نعيد تشغيل خيالنا من أجل أن نخلق نظاما أخر.
سؤال: من أين يمكن أن يأتي التحول؟ هل من الفرد أم من تغييرات يجب أن يحملها الكل؟.
بيير ربحي: يمكنكم أن تأكلوا أكلا طبيعيا، وتدوروا استهلاككم من الماء، وتدفؤوا منازلكم بالطاقة الشمسية، وتقوموا في نفس الوقت باستغلال قريبكم، فهذه الأمور ليست متعارضة فيما بينها!. يمر التغيير الجذري للمجتمع عبر رؤية مختلفة للحياة. يجب أن نضع الانسان والطبيعة في قلب انشغالاتنا. وتلعب التربية هنا دورا حاسما: ماذا لو ربينا الأطفال على العفة وليس على الجشع الدائم؟، ذلك الجشع الذي يحرض عليه الاشهار الذي يوهمنا بأن هناك شيئا ما ينقصنا على الدوام. ان حضارة الاحتياج الدائم، التي يتم ترديدها بشكل مستمر، تغرس في العقول الاحساس بالنقص. مهمتنا أن نجعل ظاهرة الحياة، أي ما يجعلنا نوجد، هنا، فوق الكوكب، في قلب تربية الأطفال. والحال أن بنياتنا التربوية تحجب تماما أسس الحياة من أجل، وبأقصى سرعة ممكنة، صناعة مستهلك صغير ومنتج صغير. في النهاية يعطينا هذا النسق جاهلا صغيرا سيهتم أكثر بمعرفة كيف سيحصل على عمل جيد مع زحف التنافسية.
ان المطلب الأساسي هو أن يأكل ويلبس ويتطبب الجميع. هذا هو ما على حضارة تستحق هذا الاسم أن توفره للجميع. لا سعادة بلا تلبية هذه الحاجيات الحيوية. تزعم حضارتنا أنها تريد تحريرنا، والحال أنها الحضارة الأكثر خنقا للأنفاس على مدى كل تاريخ البشرية. نسجن من الأولي حتى الجامعي، بعد ذلك يذهب الكل ليشتغل داخل علب. وحتى عندما نريد أن نمرح نذهب الى العلب الليلية.. وأخيرا، يتم إيداعنا في علبة العجزة عندما نفقد قدراتنا، عندما نستنزف كليا، قبل أن يتم وضعنا في علبة أخرى، العلبة الأخيرة.
سؤال: كيف يمكن أن نقنع أولئك الذين يستفيدون أكثر من مجتمع الاستهلاك والاكتناز؟.
بيير ربحي: من يغني هؤلاء الناس؟ انهم نحن. انهم يغتنون لأن أناسا نهمون جدا يشترون أكثر فأكثر، لأن مجموعات بشرية بكاملها تمنحهم كل السلطات. انهم لا يوجدون الا لأننا نوجدهم. فأنا لا أتحرك في عربة يجرها ثور ولكن في سيارة، ألوث بالرغم مني، فأحصل على حصتي من الرفاه المعاصر. ان ما يفسد كل شيء هو أن هذا يتم استعماله ذريعة للاغتناء الفاحش. كان الأمر سيكون مختلفا لو أن ابداعات عباقرة العالم المعاصر سارت في اتجاه تجويد الشرط الانساني. نحن لا نمنح المكانة اللائقة لما هو ضروري، لما يأتي لنا حقا بالفرح. ولا نضع أية حدود في وجه ما هو زائد.
سؤال: هل هذا يعني أنه يتوجب الهجوم على قوى المال؟.
بيير ربحي: المال شيء نبيل عندما يسمح بالتبادل. أن تحمل بضع ورقات مالية في جيبك أسهل من أن تحمل كيلوغرامين من البطاطا. لا يجب رفض المال ما دام يساهم في تنظيم الرفاه بين البشر. أما عندما لا يخدم الا الرغبة في الاغتناء حينها يجب رفضه. كل الأشياء الحيوية، الموارد المشتركة، – ماء، هواء، أرض، بذور- علينا أن نسحبها من مجال المضاربة. من يملكون المال يسطون على الممتلكات الجماعية قبل أن يضفوا على هذا السطو طابع “الشرعية” وهم يستغلون ما توفره قواعد اللعبة الجاري بها العمل. لقد صير المال البشرية مجنونة بشكل كامل. نحن نشتري اليوم خيرات الأجيال اللاحقة. أنا أملك أرضا لكني مستعد لأن أقول بأنها ليست لي. لقد عالجتها حتى يمكن توريثها لأطفالي أو لناس أخرين.
سؤال: كيف يمكن أن نستعيد خيراتنا المشتركة من أيادي أولئك الذين يضاربون فيها؟.
بيير ربحي: لنقبل بالذهاب بهذا المنطق الى أقصاه، ونفترض أن مجموعة صغرى من الأغنياء جدا ستمتلك يوما ما الكوكب. سنقول للأطفال الذين سيولدون غدا بأنهم سيسكنون كمستأجرين عند هؤلاء، وأن عليهم أن يؤدوا ثمن حقهم في الوجود. انه لأمر غبي. للأسف الشديد. انه القبح عينه. فهل لأن لدي المال يجب أن تكون لدي السلطة على كل شيء؟ هنا يجب أن يتدخل السياسي لتقنين الأمور. ولكن يبدو أن المسؤولين السياسيين هم هنا للحفاظ على هذه اللامساواة الصارخة. يحاولون علاج نموذج محتضر. يمكننا أن نضع النموذج في الانعاش كيفما شئنا.. لكننا نعرف جيدا أنه انتهى.. الدراما هي أن ينتهي كل شيء الى الفوضى العارمة ان لم نضع وجهة جديدة للحياة.
سؤال: تقول بأنه يجب أن نغير قواعد اللعبة الديموقراطية… من أجل أن نسير صوب ماذا؟.
بيير ربحي: لا يمكن أن نغير وحشا بهذه الضخامة بين ليلة وضحاها. ما أتأسف له أننا لم نضع أرجلنا على سكة التحول. أوروبا هي التي خلقت هذا النموذج. والضحية الأولى لهذه المنظومة، لهذه الأيديولوجيا، هي أوروبا ذاتها. كانت أوروبا في السابق فسيفساء عجيبة. لكن كل شيء تم تنميطه. ثم صدرنا هذا النموذج الى كل بقاع العالم، بعدما وضعنا عليه صباغة “ديموقراطية”. واليوم فان هذا النموذج يتفسخ، وليس هناك أية وسيلة لإصلاحه. يجب التوجه نحو شيء أخر. ان هذا هو ما يقترحه المجتمع المدني، ذلك الورش الباهر للمستقبل. في كل مكان هناك ناس يحاولون العمل بشكل مغاير. ان دولة ذكية عليها أن تشجع مثل هذه الأشياء. والا فان الأمور ستتحقق في شكل انفجار اجتماعي. جماعات واسعة من الناس يعيشون بفضل مساعدة الدولة. لكن الأمر لن يدوم. ففي اليوم الذي لن يقدر فيه المجتمع على أن يخلق الثروة، أين يمكن حينها أن نجد ما نساعد به هؤلاء المرميين الى الهامش؟ اننا نوجد في قلب نظام “رجل اطفاء/مشعل حرائق”: نظام ينتج الخسائر ثم يزعم أنه يصححها. نضع المسكنات عوض أن نغير النظام: وهذا ليس موقفا سياسيا ذكيا.
[1] عن موقع Basta ، 7 ماي 2012. من الاصدارات الجميلة جدا لبيير ربحي: Semeur d’espoirs..
