أحمد القصوار يكتب : من” التدويرة ” الى “الصنيديقة”
فور تنمية : أحمد القصوار
كان الحصول على “التدويرة” من الاهل والاقارب تقليدا مرعيا في طفولة أجيال السبعينيات والثمانينيات. هي عبارة عن سنتيمات او دريهمات قليلة يتكرمون بها على الأطفال في المناسبات والاعياد والزيارات العائلية.
كانت تلك السنتيمات والدراهم تستهلك في الحلوى او الأغراض الصغيرة او تدخر في “الصنيديقة” او “الربيعة” التي دأب عليها الأطفال لجمع ما تيسر من مال قليل يستعمل كاملا او قليل منه. كما كانت لها وظائف رمزية وثقافية أكثر منها مادية.
غالبا ما خضعت “التدويرة” لمعيار السن (العمر). كلما تقدم الطفل في العمر، كلما كان حظه عظيما للحصول على سنتيمات او دراهم أكثر. ترسخ ما يمكن نعته ب”سلم التدويرة “او الاكراميات الخاصة بالأطفال. هناك من يحظى ب 10 سنتيمات، وهناك من تصل تدويرته الى 5 دراهم (بمستوى عيش أطفال تلك الفترة).
في أيام عيد الفطر او ذكرى المولد النبوي، تكون حصيلة التدويرة هي الأكبر والاعلى نسبة طيلة السنة. تكثر الزيارات والمعايدات، وبالتالي تتعدد فرص الحصول على سنتيمات او دراهم من الاعمام والاخوال والجد او الجدة وأصدقاء الاب وغيرهم من الاهل والاقارب.
في هذه المناسبات، تكثر مشاحنات الأطفال. يتربص البعض بالبعض الاخر قصد التحايل او استغلال غفلة وعدم اهتمامه “للسطو” على تدويرته او اخفائها وادعاء اختفائها المفاجئ، قبل العثور عليها “صدفة” وتقديمها للطفل المعني؛ وكان الامر فتح مبين، والحال انه جزء من لعب طفولي ماكر.
كان الأطفال الأكثر احتياطا يضعون “تدويرتهم” مباشرة في “الصنيديقة” او “الربيعة”. في حالات أخرى، يضعون التدويرة تحت تصرف الام ويتم تأجيل حصر الحصيلة النهائية للتدويرات الى نهاية اليوم او نهاية أيام العيد، اما لاستعمالها في شراء شيء محدد او وضعها كاملة في ” الصنيديقة”. في الحالات التي يكون فيا الطفل صغيرا جدا وغير مدرك لقيمة التدويرة او الحاجة اليها، تقوم الأمهات باستغلال المبالغ القليلة او الكثيرة لشراء بعض حاجات ذلك الطفل، او ادراجها ضمن المصروف اليومي العام.
كانت “الصنيديقة” تقوم مقام صندوق خاص للاحتياط والتمويل الذاتي، لا سيما في العطل وبداية الدخول المدرسي. يتم تكسير الصنيديقة الخشبية او الطينية باستعمال سكين او حجرة غليظة او الة حادة ثقيلة. بعد التكسير او الفتح، يتم عد الدراهم والسنتيمات التي قد تصل الى 50 او 100 درهم.
شخصيا، كنت اعد الحصيلة المالية وأسرع بها الى حانوت ” با صالح ” ليقوم ب “جمعها”. أقدم له السنتيمات والدراهم ويمدني بورقة مالية معادلة لها: 5 او 10 او 20 او 50 درهما مثلا. كانت أجيال “الربيعات” التي توفرت عليها تتنوع بين الخشبية والطينية. اضع فيها ما تيسر من تدويرات با بنعاشر ومي محجوبة و”حمادي” (خالي محمد) وخالي علال وجدتي مي زينب وعمتي الميلودية وخالتي خديجة وعمي محمد وعمي محمد المزوضي وجدي الركراكي وخالي العربي وغيرهم من الاهل والاقارب وأصدقاء العائلة.
في تلك الفترة، كنت اتولى “السخرة” الى الحانوت (البقال) او “الصاكة” (محل بيع السجائر). كان بعض الاهل يكلفوني بشراء علبة سجائر او قنينة مشروب غازي، مع الحاحهم على حصولي على ما تبقى من “الصرف” (الباقي من الدراهم و السنتيمات بعد أداء الثمن). كانت السخرة الى حانوت “با صالح” أساسا مناسبة للزيادة في مدخرات “الصنيديقة” من خلال “التدويرات” السخية التي تنجم عنها. وهذا ما جعل “تدبير” ما نحصل عليه تدريبا طفوليا على حسن استعمال “المال” وانفاقه عند الحاجة.
شكلت “التدويرة ” خزانا يفيد في شراء كرة بلاستيكية او الذهاب الى السينما في فترة التعليم الاعدادي او تخصيص حيز منها لوجبات الغذاء قرب اعدادية حي السلام (الثانوية التأهيلية الفقيه المريني الان) في حانوت سي إبراهيم. كما شكلت ملاذا الجا اليه لأخذ دراهم معدودات تستعمل للعب كرة القدم ” بالفلوس” في الملاعب القريبة بدءا من “تيران الفرشي” في إطار سنوات كرة القدم بلا حدود. وتلك قصة أخرى.
