OCP

المفكر المغربي منير الحجوجي و التحذير الأخير..موارد الأرض تتآكل بسرعة جنونية… ولابد من عقد جديد مع الحياة

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

فور تنمية : المفكر المغربي منير الحجوجي 

 

في غضون أربعة مليار سنة ستنطفئ الشمس ولن يعود بإمكان الحياة أن تستمر فوق الكوكب لغياب المنتج والمحرك والضامن الأول للحياة: الحرارة.. هذه بداهة الأن في الفيزياء الكونية.. لكن بإمكاننا أن نغير جذريا من اللعبة ونسرع/نعجل من موعد النهاية.. يكفي أن نستمر في نفس نمطنا الحالي في “العيش”.. وبالفعل، وإذا ما استمرينا في العيش على نفس الايقاعات، إذا ما استمرينا على نفس إيقاع الإنتاج/الاستهلاك المدمر للغابات/البحار/الأجواء، فلن يكون حينها بإمكان الأرض وقد تم خنقها أن تستمر في وظائفها، لن يكون بإمكانها أن تفرز المواد الاستراتيجية لبقائنا (أوكسيجين/تهوية/مواد عضوية….). في الواقع، لم يعد الكوكب يتحمل أن نستهلك كما نشاء، ونستحم كما نشاء، ونسافر كما نشاء، ونشتري السيارات التي نريد،.. في تقرير هام نشر سنة 2015، عبر علماء من المجموعة البينحكومية لخبراء المناخ GIEC بشراكة مع خبراء يكتبون في التدميرات الحاصلة على مستوى التنوع الحيوي IPBES عن قلقهم الشديد فيما يخص مستقبل العلاقات بين البشر والأرض وطرحوا لأول مرة مفهوم “الدين البيئي”: الكوكب لم يعد يكفي، بدأنا نستهلك أكثر مما يمكن للأرض انتاجه، بدأنا نراكم “ديونا بيئية” خطيرة لأول مرة على مر تاريخنا.. في الكوب 23 المعقد بألمانيا (2017) خرج 15000 عالم من مختلف التخصصات بوثيقة على درجة عالية من الخطورة: الكوكب يوجد في حالة سيئة جدا..

التخريبات وصلت الى مستويات بدأت تهدد وجود مجموع أشكال الحياة فوق الكوكب.. كل المؤشرات تبين أننا على أبواب انتكاسات مناخية كارثية.. – حتى لا نتحدث الا عن هذا المثال.. وعندما يتعفن الغلاف الجوي، لن يمكن الحديث بعدها لا عن بشر ولا عن حيوان ولا عن اقتصاد ولا تنمية ولا عن جيواستراتيجيا ولا عن جمال.. اما، اذن، تغيير الوجهة، تغيير الخيارات الكبرى، أو الهاوية.. ان “البشرية، فيما تحذر البيئية الجميلة كولين سيرو، هي نوع حديث جدا، ونسقها في التأقلم لم يكتمل بعد، ونحن ضحايا أمراض طفولية تمس المناعة الذاتية، ونتطور بتدمير أنفسنا بأنفسنا. من الممكن أن نفنى. وهذا الأمر لا يشكل فرقا كبيرا بالنسبة للكوكب، ماعدا أن الأنواع الأخرى، التي تخضع كل يوم أكثر لثقل غطرستنا، ستستريح ربما.”..

أستحضر هنا الفلم الأمريكي الشهير “شمس خضراء” Soleil vert الذي فاز بالسعفة الذهبية لمهرجان “كان” سنة 75 ان لم تخني الذاكرة.. اعتبرت لجنة التحكيم أن الفلم توفق كثيرا وهو يطرح قضية مفصلية هي قضية استنزاف موارد الكوكب.. تجري القصة سنة 2022.. بعد تفاقم النمو الديموغرافي/التخريب الحيوي وما أنتجه من تفقير شامل للموارد، أصبح الناس غير القادرين على شراء الطعام الطبيعي بسبب ثمنه المرتفع جدا يشترون طعاما اصطناعيا، يروج باسم “شمس خضراء”، والذي تقدمه الشركة المتعدية الجنسيات “صولنت” Solent.. في هذه الأجواء المشحونة حيث يتم قمع أية تظاهرة تطالب بالطعام، يقوم الضابط طورن بالتحقيق في قضية مقتل وليام سيمونسون، أحد مسيري شركة الصناعات الغذائية “صولنت”.. يكتشف طورن أن هذه الجريمة التي بدت لأول مرة كما لو أنها ارتكبت من أجل السرقة نفذتها في الواقع جهات تابعة ل “صولنت” حتى تمنع سيمونسون من إفشاء سر خطير.. اكتشف طورن أن الشركة تقوم بصناعة منتوج “شمس خضراء” ليس من الطحالب ومواد بحرية أخرى كما تدعي في اعلاناتها ولكن من جثت بشرية تقوم بإغراء أصحابها اليائسين من بقائهم بقضاء مدد محددة داخل “المأوى” حيث يتم توفير كل شيء لهم لفترة قبل حقنهم، قبل اقتيادهم للمسلخ: طعام باذخ، رحلات سياحية باهرة، علاقات جنسية مع نساء جميلات..

السؤال اذن هنا هو: ألا نساهم بنموذجنا الحضاري/الانتاجوي/الاستهلاكوي اليومي في صناعة حتفنا الجماعي؟ ألا نقوم بتشبثنا بنمطنا في الأكل والملبس والسفر بالسير نحو “شمس خضراء” وما هو أخطر من “شمس خضراء”؟.

إن المشكلة الحقيقية التي تعترضنا في طريق البقاء – تخيلوا – هي أنماطنا في “الحياة”.. إن مشكلتنا الكبرى هي انخراطنا الواعي/اللاواعي في لعبة التخريب المنظم للكوكب، أي، في النهاية، لأنفسنا.. ان الحل يوجد، كما يقول الايكولوجي الفوتوغرافي المرهف يان أرتيس برطراند، في نوع من عقد جديد مع الحياة un Nouveau Pacte avec la Terre: “اليوم، وفي مواجهة الأزمة البيئية (بالمعنى السياسي الكبير)، يوجد العالم في حاجة مرة أخرى للشجاعة. شجاعة التفكير بشكل مختلف، شجاعة التخلي عن بعض الأشياء من أجل كسب أخرى أقل مادية، شجاعة السير نحو الآخرين، شجاعة الاعتراف بأخطائنا، شجاعة رفض الظلم في هذا العالم، شجاعة مواجهة المنطق الذي يسير بنا نحو الهاوية”.

على المستوى الفردي، من المهم أن يعي كل واحد منا أنه مسؤول عن الكوكب من موقعه، أنه يساهم من موقعه في تأزيم/صيانة شروط البقاء فوق الأرض.. من العبث الاستمرار في موقع من يأخذ، ويستنزف، ويخرب الى ما نهاية.. لكي تستمر الحياة، يجب أن نحترم حاجياتها/حقوقها الكبرى، وعلى رأسها حقها هي ذاتها في الحياة.. انه بحذافيره منظور الفلسفة البيئية مثلما يطرحه الايكومعالج الاستثنائي المرحوم دافيد سرفان – شريبر: “إذا احترمت حاجياتي وحاجيات الآخرين، و طبقت هذا السلوك على علاقتي مع الأرض، فلدي الحق في الأكل مما تنتجه الأرض، و الاستفادة من مائها و هوائها و جمالها.. في الوقت ذاته، و حتى أستفيد أنا نفسي إلى أقصى حد من كل هذه الأمور، فإن المقاربة الأكثر عقلانية يجب أن تكون هي المقاربة الايكولوجية بامتياز: احترام حاجيات الأرض”..

لايمكن للأرض أن تتحمل استهلاكاتنا الى ما لانهاية.. الموارد تتأكل بسرعة كبرى.. نحن مرشحون بقوة للاختفاء إذا لم نراجع جذريا علاقتنا بالأرض وبمجموع أهلها.. علينا أن نقطع جذريا مع أنماطنا الجرثومية/البكتيرية في العيش.. على كل واحد أن يفكر في الأرض وهو يستهلك حصته من الماء.. على كل واحد أن يفكر في كميات الأوكسيجين المتبقية وهو يريد الحسم في نوع السيارة التي يرغب فيها.. على كل واحد أن يختار الأرض.. لا الذات وأوهامها.. لا بد أن نكبر.. من الممكن جدا أن نعيش بلا كثير من الأوهام التي حولتها الرأسمالية واستراتيجيتها في القصف/الاغواء الاشهاري الى أولويات ضرورية.. لنفك ارتباطنا بكل ما يقودنا الى الموت.. لنعيد اللقاء بذكائنا.. بإنسانيتنا..

بعبارة أخرى، إننا نخرب لأننا لانفكر، وأن تفكر هو أن تربط ذاتك الى ما هو أكبر من الذات.. علينا، اذن، بثورة كوبرنكية.. يجب أن نفهم أننا لسنا وحدنا فوق الكوكب.. أننا لسنا المركز.. أننا لسنا كل شيء.. أن هناك حياة خارجنا يتوجب احترامها.. ان هذا الوعي/الوضوح هام جدا في الصراع ضد الهاوية..

 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.