OCP

نعوم شومسكي: “أليات السيطرة الديموقراطية، أو غسل العقول بحرية”[1]. ترجمة منير الحجوجي.

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

فور تنمية : ترجمة منير الحجوجي

 

         يدافع نعوم شومسكي N. Chomsky هنا على أطروحة “مستفزة” مفادها أن الأنظمة “الديموقراطية” تشبه الأنظمة البوليسية التي عرفها القرن العشرون على مستوى السياسات السيطرية فيما تختلف معها فقط على مستوى أدوات/قنوات السيطرة/الابتلاع. يحلل شومسكي آليات “السيطرة الديموقراطية”. كما يناقش موضوع اليوطوبيا وبناء الأمل داخل العالم المحتقن “والقدري” للعولمة.

 

         سؤال: لنبدأ بقضية وسائل الإعلام. في فرنسا، في ماي 2005، وخلال الاستفتاء على معاهدة الدستور الأوروبي، أيدت غالبية وسائل الإعلام التصويت “بنعم”، ومع ذلك صوت 55% من الفرنسيين ب “لا”. يبدو إذن أن السلطة التوجيهية والتلاعبية لوسائل الإعلام ليست مطلقة. هل شكل هذا التصويت رفضا أيضا لوسائل الإعلام؟..

نعوم شومسكي: إن العمل الذي قمت به مع إدوار هرمان حول التلاعب الإعلامي أو صناعة الطاعة/الخضوع لا يطرح قضية تأثيرات وسائل الإعلام في الجمهور[2]. هذا موضوع معقد، لكن الأبحاث العميقة التي تم القيام بها في هذا الصدد تشير في الواقع إلى أن تأثير هذه الوسائل يكون أقوى على الساكنة الأكثر وعيا وثقافة، أما الحشود فيبدو أنها أقل ارتباطا بخطاب وسائل الإعلام.

لنأخذ، مثلا، إمكانية الحرب على إيران: ف 75% من الأمريكيين يرغبون في أن توقف الولايات المتحدة تهديداتها العسكرية وتعطي الأولوية للبحث عن اتفاق عبر القناة الدبلوماسية، كما تشير بحوث قادتها معاهد غربية إلى أن الرأي العام الإيراني ونظيره الأمريكي يلتقيان كذلك حول بعض نقاط المسألة النووية: إذ أن الأغلبية الساحقة لساكنة البلدين تعتبر أن المنطقة الممتدة من إسرائيل إلى إيران يجب أن تكون خالية تماما من المعدات الحربية النووية، بما فيها تلك التي تتوفر عليها القوات الأمريكية المتواجدة بالمنطقة. والحال أنه علينا أن نبحث طويلا حتى نجد مثل هذا النوع من الأخبار داخل وسائل الإعلام.

أما في ما يخص الأحزاب السياسية الرئيسية في البلدين، فلا أحد منها يدافع عن وجهة النظر هاته. لذلك، لو كانت إيران والولايات المتحدة حقا دولتين ديموقراطيتين حيث تحدد الأغلبية فعليا السياسات العمومية، لحل النزاع الحالي حول النووي فورا. وهناك حالات أخرى من هذا النوع.

فيما يخص أيضا الميزانية الفدرالية للولايات المتحدة، فإن غالبية الأمريكيين يرغبون في تخفيض النفقات العسكرية والرفع، بالمقابل، من النفقات الاجتماعية ومن القروض الممنوحة للأمم المتحدة ومن المساعدة الاقتصادية والإنسانية الدولية، كما يرغب الأمريكيون في إلغاء التخفيضات الضريبية التي سنها الرئيس بوش لصالح دافعي الضرائب الأكثر غنى.

إن سياسة البيت الأبيض، بصدد كل هذه النقاط، مناقضة تماما لمطالب الرأي العام. إلا أنه نادرا ما يتم نشر الأبحاث التي تكشف عن هذا التعارض الفاضح داخل وسائل الإعلام، لدرجة أنه لا تتم فقط إزاحة المواطنين عن مراكز القرار ولكن يتم أيضا التعتيم عليهم فيما يخص الوضع الحقيقي لهذا الرأي العام ذاته.

هناك قلق دولي تجاه ذلك العجز المزدوج الهائل للولايات المتحدة: أقصد العجز التجاري والعجز في الميزانية. والحال أن هذين الأخيرين يتغذيان بشكل وثيق على عجز ثالث: انه العجز الديموقراطي الذي لا يتوقف عن التفاقم، ليس فقط في الولايات المتحدة، ولكن عموما في مجموع العالم الغربي.

         سؤال: في كل مرة نسأل فيها صحفيا مشهورا أو ممثلا لنشرة تلفزيونية كبيرة عما إذا كان يخضع لضغوطات أو لرقابة ما، فإنه يرد بأنه يتمتع بحرية كاملة وبأنه يعبر عن قناعاته الخاصة. كيف يتم التحكم في الفكر في مجتمع ديموقراطي؟ في ما يخص الدكتاتوريات، فنحن نعلم كيف يتم ذلك..

جواب: عندما يتم اتهام الصحفيين فإنهم يردون: “لا أحد ضغط علي، فأنا أكتب ما أريد”. وهذا صحيح. أما إذا ما قرروا اتخاذ مواقف مناقضة للمعيار المهيمن، فلن يكون بإمكانهم كتابة افتتاحياتهم. وهذه القاعدة ليست مطلقة بطبيعة الحال، إذ يحصل أن تنشر لي الصحف الأمريكية، كما أن الولايات المتحدة ليست دولة شمولية. ومع ذلك، فإن من لايحقق بعض الشروط الدنيا لا يكون له أي حظ في أن يتم ترشيحه لولوج دائرة المعلقين المؤثرين في الشارع.

وعلى كل حال، هذه إحدى الفروق الكبرى بين نظام الدعاية داخل دولة شمولية وطريقة تدبير الأمور في مجتمعات ديموقراطية. وإذا ما بالغنا بعض الشيء، سيمكن القول بأن الدولة في البلدان الشمولية تقرر وتحدد الخط الذي ينبغي السير فيه والذي يفرض على كل واحد بعد ذلك الخضوع له. أما المجتمعات الديموقراطية فهي تعمل بطريقة أخرى، حيث لايتم أبدا رسم “الخط” بشكل واضح، بل يتم فقط التلميح اليه فيتم اللجوء، بمعنى ما، إلى “غسل العقول بحرية”. وحتى النقاشات “الساخنة والمثيرة” في وسائل الإعلام الكبرى فهي تندرج في حدود الإطارات الضمنية المتفق عليها والتي تلغي عددا من وجهات النظر المناقضة.

إن نظام التحكم في المجتمعات الديموقراطية فعال جدا. فهو يرسم الخط الذي يوجه البشر مثله مثل الهواء الذي نستنشقه. إننا لا ندرك أبدا الهواء الذي نستنشق، تماما مثلما لاندرك أننا خاضعون عندما نعتقد أننا بصدد نقاش ساخن جدا. في العمق، هذه أمور تعمل بفعالية أكثر بكثير من الأنظمة الشمولية.

لنأخذ مثلا حالة ألمانيا بداية الثلاثينيات. لقد بدأنا ننسى أنها كانت البلد الأكثر تقدما في أوروبا، بلد اعتلى قمة الفن والعلوم والتقنيات والأدب والفلسفة. ثم، وخلال فترة قصيرة من الزمن، وقع انقلاب شامل، وتحولت ألمانيا إلى الدولة الأكثر دموية ووحشية في التاريخ البشري.

كل ذلك جاء بسبب الخوف من البلاشفة واليهود والأمريكيين والغجر، باختصار، كل أولائك الذين يهددون الحضارة الأوروبية حسب النازيين الذين اعتبروا أنفسهم “الورثة الشرعيين للحضارة اليونانية”. على كل حال، هذا ما كتبه الفيلسوف مارتن هايدغر عام 1935. والحال أن جل وسائل الإعلام الألمانية التي قنبلت السكان بهذا النوع من الرسائل وظفت تقنيات الماركوتنغ التي وضعها… محترفو الإشهار الأمريكيون.

لايجب أن ننسى كيف يتم دائما فرض إيديولوجيا معينة. فلكي تهيمن فإن العنف وحده لايكفي، إذ يجب التوفر كذلك على وسائل تبرر بها العنف تكون من طبيعة آخرى. مثلا، عندما يمارس شخص سلطته على شخص آخر – سواء كان دكتاتورا، أو معمرا، أو بيروقراطيا، أو زوجا، أو رب مقاولة – فهو يحتاج إلى إيديولوجيا تبريرية، تكون هي نفسها دائما: أنا أهيمن لأن في ذلك “مصلحة” المهيمن عليه. بعبارة أخرى، تقدم السلطة ذاتها دائما كسلطة من أجل الآخر، أو كسلطة غيرية غير معنية بالمنافع المادية، ومعطاءة.

في فترة الثلاثينيات، تمثلت قواعد الدعاية النازية مثلا في اختيار كلمات بسيطة وترديدها بلا هوادة، ثم وصلها ببعض العواطف والمشاعر والمخاوف. عندما غزا هتلر منطقة السوديت عام 1938، فهو برر ذلك بالرغبة في تحقيق الأهداف الأكثر نبلا والتي تمثلت حينها في ضرورة “التدخل الإنساني” لمنع “التطهير الاثني” الممارس على الجرمان، لتمكين الجميع من العيش في حماية وكنف ألمانيا الأم، دعما للقوة الأكثر تقدما في العالم في مجالات الفنون والثقافة.

في مجال الدعاية، وحتى إن لم يتغير أي شيء مهم منذ أثينا، فلقد حدثت مع ذلك جملة من التطويرات، حيث نقحت الأدوات بشكل كبير، خاصة – ويا للمفارقة – في البلدان الأكثر حرية في العالم: المملكة المتحدة والولايات المتحدة. ففي هاتين الدولتين، وليس في مكان آخر، ولدت خلال العشرينيات الصناعة الحديثة للعلاقات العامة أو بشكل أدق صناعة الرأي العام، أو الدعاية.

وبالفعل، فلقد سبق لهذين البلدين أن تقدما في مجال الحقوق الديموقراطية (تصويت النساء، حرية التعبير) إلى درجة أنه لم يعد ممكنا الحد من التطلع نحو الحرية بواسطة عنف الدولة. لذلك تم التحول نحو تكنولوجيات “صناعة الخضوع”. إن صناعة العلاقات العامة تنتج، بالمعنى الحرفي للكلمة، القبول والخضوع، فهي تراقب الأفكار والتصورات والعقول، وهذا تقدم كبير مقارنة بالنظام الشمولي. فمن الممتع ومن الأفضل الخضوع لإشهار ما على التواجد داخل صالة تعذيب.

إن حرية التعبير في الولايات المتحدة محمية، حسب علمي، بشكل لايمكن أن نجده في أي بلد آخر. وهذا أمر حديث نوعا ما. في سنوات الستينيات، وسعت المحكمة العليا بشكل كبير جدا من دائرة احترام حرية التعبير وهو ما يعبر، في نظري، عن مبدأ أساسي تم سنه منذ القرن الثامن عشر بفضل القيم التي جاءت بها الأنوار. لقد اعتبرت المحكمة العليا أن التعبير حر ولا يمكن أن يحده سوى عمل مخل من مثل المشاركة في عمل إجرامي. مثلا، إذا ما دخلت لمتجر لأجل السرقة وأمرت شريكي المسلح بإطلاق النار فهذا قول غير محمي من قبل الدستور. فيما عدا ذلك، على الجريمة أن تكون من الخطورة بالشكل الذي يسمح بطرح سؤال حرية التعبير، بل إن المحكمة العليا أعادت الاعتبار لهذا المبدأ حتى لفائدة أفراد جماعة كوكلوكس كلان[3]..

في فرنسا والمملكة المتحدة وفيما أعتقد أيضا في باقي أوروبا حرية التعبير هي محددة بقيود كثيرة جدا. في نظري، إن السؤال الأساسي هو: هل للدولة الحق في احتكار تحديد ماهية الحقيقة التاريخية ومعاقبة من ينزاح عنها؟ إن الاعتقاد بأن ذلك ممكن هو نوع من الممارسة الستالينية الخالصة.

يجد المثقفون الفرنسيون صعوبة في قبول أن ذلك الاعتقاد هو بالذات ما يتطلعون إليه. ومع ذلك فإن رفض مثل هذه المقاربة لايجب أن يستثني بعض الممارسات. لابد من منع الدولة من أن تتوفر على أية وسيلة لمعاقبة من يزعم أن الشمس تدور حول الأرض. يشمل مبدأ حرية التعبير أمرا بسيطا جدا: فإما أن ندافع عنه في حالة الآراء التي نكره، أو لاندافع عنه بالمرة. فحتى هتلر وستالين كانا يقبلان بحرية تعبير أولائك الذين كانوا يقتسمون معهما وجهة نظرهما.

أضيف بأن هناك أمرا مؤلما بل فضائحيا وهو أننا لازلنا ملزمين بمناقشة هذه القضايا قرنين بعد فولطير الذي كان يقول: “سأدافع عن أرائي حتى الموت، ولكني سأضحي بحياتي من أجل أن تتمكن من الدفاع عن آرائك”. إننا نقدم خدمة مؤلمة لضحايا الهولوكوست[4] في ذكراهم عندما نتبنى إحدى الرؤى الأساسية لمعذبيهم.

سؤال: في أحد كتبكم، تعلقون على جملة ملطون فريدمان (الشهير بمنظر مدرسة شيكاغو. المترجم) التي يقول فيها: “إن الربح هو ما يشكل جوهر الديموقراطية”.

جواب: في الواقع، هذان أمران يناقضان بعضهما البعض إلى درجة يستحيل معها القيام بأي تعليق. إن غاية الديموقراطية هي أن يتمكن الناس من أن يقرروا في حياتهم الخاصة وفي الخيارات السياسية التي تتعلق بهم. أما الربح، فهو مرض خاص بمجتمعاتنا يتغذى على بنيات خاصة. في مجتمع لائق ومتخلق يكون الاهتمام بالربح أمرا هامشيا. لنأخذ شعبتي داخل الجامعة (في معهد ماساشوست للتكنولوجيا): فهناك طائفة من الباحثين ممن يشتغلون كثيرا جدا حتى يربحوا أموالا كثيرة، إلا أننا نعتبرهم أناسا هامشيين، بلا التزامات، بل حالات مرضية. إن الروح التي يجب أن تحرك الجامعة الأكاديمية يجب أن تكون بالأحرى محاولة القيام بأنشطة يحركها رهان فكري خالص أولا وتصبو الى خدمة الصالح العام ثانيا.

         سؤال: في الكتاب الذي خصص لكم في منشورات L’Herne   كتب جون زغلر: “لقد عرفنا ثلاثة أنظمة شمولية: النظام الشمولي الستاليني والنظام النازي والآن نظام تينا [5]Tina“. هل يمكن وضع مقارنة بين هذه الشموليات؟..

جواب: لن أضعها على نفس المستوى. أن نناضل ضد “تينا” هو أن نواجه هيمنة فكرية لايمكن أن نشبهها بمراكز الاعتقال ولا بالغولاغ[6]. في الواقع، تثير سياسة الولايات المتحدة معارضة قوية على مستوى كل الكوكب. لقد طردت الأرجنتين وفنزويلا صندوق النقد الدولي خارج ترابيهما. واضطرت الولايات المتحدة إلى التخلي عن قاعدتها الأساسية خلال العشرين سنة الأخيرة: الانقلاب العسكري في أمريكا اللاتينية. أما البرنامج النيولبرالي الذي تم فرضه على كل أمريكا اللاتينية سنوات الثمانينيات والتسعينيات فيتم الرمي به بعيدا عن القارة كلها. ونعثر، على المستوى العالمي، على نفس المعارضة للعولمة الاقتصادية.

أما الحركة من أجل العدالة التي يسلط المنتدى الاجتماعي العالمي الضوء عليها، فهي تشغل في الواقع بال العالم كله. وهذه ظاهرة جديدة للغاية في التاريخ تعلن ربما عن بداية أممية حقيقية. والحال أن أكبر نضالات هذه الحركة هو التفكير في حل بديل. وعلى كل حال، هل يوجد حل أفضل من المنتدى الاجتماعي العالمي؟ أما وسائل الإعلام المعادية فهي تسمي أولائك الذين يعارضون العولمة النيولبرالية ب “مناهضي العولمة”، مع أنهم يناضلون من أجل عولمة مغايرة، هي عولمة الشعوب.

بإمكاننا أن نلاحظ كيف يتعارض الطرفان لأن المنتدى الاقتصادي العالمي انعقد في نفس اللحظة في دافوس، وهو يعمل من أجل الاندماج الاقتصادي الكوكبي الذي يخدم فقط مصلحة رجال المال والأبناك وصناديق الادخار، وهي القوى التي تتحكم أيضا في وسائل الإعلام. هذا هو تصورهم للاندماج الشامل، وهو اندماج كما نرى يخدم فقط المستثمرين. تعتبر وسائل الإعلام المهيمنة أن هذا الاندماج هو وحده الذي يستحق، بمعنى ما، الاسم الرسمي للعولمة.

هذا مثال جيد يكشف عن كيفية عمل الدعاية الإيديولوجية داخل المجتمعات الديموقراطية. إنها دعاية فعالة لدرجة أن مشاركين في المنتدى الاجتماعي العالمي يتقبلون في بعض الأحيان النعت الملغوم: “مناهضو العولمة”. لقد سبق لي أن تدخلت في إطار منتدى بورطو ألغري كما ساهمت في المؤتمر العالمي للفلاحين، وهؤلاء يشكلون لوحدهم أغلبية ساكنة الكوكب.

         سؤال: تصنف في خانة الأناركيين أو الاشتراكيين ذوي الميولات اللبرطارية[7]. كيف تكون مكانة الدولة داخل الديموقراطية كما تتصورها؟..

جواب: إننا نعيش داخل هذا العالم وليس في عالم خيالي. في هذا العالم هناك مؤسسات استبدادية هي الشركات الكبرى تشبه في اشتغالها المؤسسات الشمولية. وهذه المؤسسات لا تحس بأن عليها أن تقدم الحساب للجمهور وللمجتمع بل تعمل كضواري تروم ابتلاع الشركات الصغرى. وحتى تحمي نفسها من بطش هذه الشركات فإن الساكنة لا تتوفر سوى على أداة واحدة هي الدولة. والحال أن الدولة ليست بالدرع الفعال لأنها عموما مرتبطة بشكل وثيق بالضواري، مع فارق مهم، وهو أنه في الوقت الذي لاتكون فيه شركة “جنرال إلكتريك” ملزمة بتقديم أي حساب لأي أحد، فإن الدولة تكون مرغمة بتقديم تفسيرات للساكنة.

عندما ستتوسع الديموقراطية إلى درجة يتمكن معها المواطنون من مراقبة أدوات الإنتاج والتبادل والمشاركة في إدارة الإطار العام الذي يحتضنهم، حينها يمكن للدولة أن تختفي تدريجيا لتعوضها جمعيات تطوعية تتحرك في الأماكن حيث يشتغل الناس وأيضا في الأماكن حيث يعيشون.

          سؤال: هل يتعلق الأمر بالسوفياتات؟..

جواب: نعم إنها ما كان يعرف بالسوفياتات سابقا. إلا أن أول شيء دمره لينين وتروتسكي مباشرة بعد ثورة أكتوبر هي السوفياتات والمجالس العمالية وكل المؤسسات الديموقراطية. بهذا المعنى كان لينين وتروتسكي ألذ أعداء الاشتراكية خلال القرن العشرين. وبوصفهما شيوعيين أورتودوكسيين، فلقد اعتقدا أن مجتمعا متخلفا كروسيا في تلك الفترة لم يكن بإمكانه المرور مباشرة نحو الاشتراكية إلا بإقحامه بالقوة في التصنيع.

في سنة 1989، لحظة انهيار النسق السوفياتي، اعتقدت أن هذا السقوط يمثل، بشكل مفارق، نصرا للاشتراكية، لأن الاشتراكية كما أتصورها تتطلب، في حدها الأدنى – أكرر ذلك – المراقبة الديموقراطية للإنتاج وللتبادلات، كما تتطلب تنزيل أبعاد أخرى من الوجود الإنساني.

ومع ذلك فإن نظامي الدعاية الرئيسيين اتفقا على القول بأن النسق الاستبدادي الذي وضعه لينين وتروتسكي، والذي حوله ستالين إلى وحش سياسي كاسر، كان هو “الاشتراكية”. ولم يكن القادة الغربيون إلا ليسعدوا لهذا الاستعمال العبثي والفضائحي للكلمة لأنه مكنهم ولعقود طويلة من شتم الاشتراكية الأصيلية.

وبنفس الحماس، ولكن في الاتجاه المعاكس، حاول نسق الدعاية السوفياتي أن يستغل لصالحه تعاطف العمال ورغبتهم في النضال من أجل المثل الاشتراكية الأصيلية.

         سؤال: هل صحيح أن كل أشكال التنظيم الذاتي من منظور المبادئ الأناركية انهارت في آخر المطاف؟..

جواب: لا وجود “لمبادئ أناركية ثابتة” أو لأي نزوع محموم نحو الهدم ينبغي تبنيه بشكل أعمى. إن النزعة الأناركية، على الأقل كما أتصورها، هي حركة فكرية تتوجه نحو الفعل الإنساني وتبحث عن التعرف على بنيات السلطة والهيمنة لتطالبها بتبرير ذاتها في أفق تجاوزها ما إن يمكنها ذلك – وهو ما يحدث في الغالب.

إن النزعة الأناركية والفكر ذي النزوع الهدام لم ينهارا بل، وعلى العكس من ذلك، يتمتعان بصحة جيدة ويوجدان الآن في أصل عدة تقدمات حقيقية. فالعديد من أشكال القهر والظلم التي لم تكن معروفة ولا محاربة لم تعد الآن مقبولة، مما يشكل نجاحا وتقدما بالنسبة لمجموع الجنس البشري وليس هزيمة.

[1]  Le monde diplomatique، غشت، 2007.

[2] ادوارد هرمان ونعوم شومسكي، صناعة الخضوع fabrication du consentement ، منشورات بانطيون Panthéon، نيويورك، 2002.

[3]  جماعة متطرفة “ناضلت” من أجل ألا ينعتق السود أبدا ويتمتعوا بحقوقهم المدنية. يسجل التاريخ لهذه الجماعة جرائم وبشاعات لا تتصور في حق الأقلية السوداء في الولايات المتحدة. (المترجم).

[4] “القتل الجماعي” لليهود خلال الحرب العالمية الثانية. وهذا أمر، كما نعلم، شكل موضوع مصادمات قوية بين الباحثين الغربيين حتى أن بعض من شكك في الهولوكوست تعرض لتحرشات خطيرة كما حصل مع روبير فوريسون أو مع إدغار موران (المترجم).

[5] “لا وجود لأي بديل أخر”، وهي جملة شهيرة لمارغاريط طاطشر عبرت فيها عن الطابع “الحتمي” و”النهائي” للرأسمالية النيولبرالية. (المترجم)

[6] مراكز الاعتقال الستالينية. (المترجم).

[7]  تعني الأناركية/اللبرطارية باختصار شديد رفض البداهات الاجتماعية باعتبارها بداهات قدرية..

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.