OCP

الكتابة كقدر وكمقاومة: الأديب عبد الغفور خوى في حوار مفتوح مع “فور تنمية” حول الأدب والوجود

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

فور تنمية : حاوره  خالد سلامة

في زمنٍ تتراجع فيه القراءة أمام صخب الصورة وسرعة التكنولوجيا، يظل الكاتب الحقيقي حارسًا للجمال ومقاومًا بصوته الهادئ كل أشكال الرداءة والتسطيح. من هذا الأفق الإنساني والفكري يطل الأديب عبد الغفور خوى، أحد الأصوات السردية المغربية التي تؤمن بأن الكتابة ليست ترفًا بل قدَرٌ وجوديّ وموقفٌ من العالم.

في هذا الحوار، نقترب من عالم عبد الغفور خوى، ونسأله عن بداياته، ورؤيته للسرد، وموقفه من الحداثة، وعن قناعاته بأن الكتابة فعل مقاومةٍ ناعمة ضد القبح، ومغامرة مستمرة في البحث عن الجمال والحرية في زمنٍ يزداد اغترابًا.

 

ما الذكرى الأولى التي تفتكرها من طفولتك أو من مراحل مبكرة في حياتك أثّرت على تكوينك الأدبي؟ وكيف تحولت تلك الذكرى إلى قابلة للسرد؟

خوى : تعود بداياتي الأولى إلى زمن الصبا، عثرت في إحدى زوايا بيتنا القروي على بقايا كتاب، أوراقه صفراء وبلا غلاف. قرأت مافيه من قصص عدة مرات. علمت فيما بعد انه جزء من كتاب ” بدائع الزهور في وقائع الدهور ” لابن إياس. ظلت تلك الحكايات عالقة بذاكرتي. ثم وقعت بين يدي صدفة رواية ”  sans famille ” لصاحبها   Hector malot لأنهي مرحلة الطفولة بقراءة كل مؤلفات جبران خليل جبران وأحفظ “ميزان الذهب في صناعة شعر العرب”.

 

لماذا التاريخ؟ ما الذي جذبك إلى تدريس التاريخ، وهل ترى أن خبرتك التاريخية تؤثر في بناء السرد الأدبي عندك؟

خوى : التاريخ هو المعرفة المتوصل إليها عن طريق البحث، لكن فيه شق أدبي هو التدوين القصصي، الحوادثي. هذا ما يجذب الأدباء كشكل سردي مميز. المؤرخ لا يحكي قصصا وهو يؤرخ، والروائي لا يكتب تاريخا وهو يسرد مستندا إلى وقائع تاريخية. وفي الصنفين تحدث المتعة المعرفية والفنية يحركها أبطال حقيقيون أو من ورق، و في الصنفين تتقاطع أسس السرد والتاريخ وهي الزمان، المكان، الحدث المرتبط بالأنسان. هذه هي نقط الجذب في الحقلين.

 

في أي لحظة قرّرت أنك “سارد” لا مكتفٍ بأن تكون قارئًا؟ ومتى أدركت أن لديك شيءٌ خاصٌّ تريد أن تبوحه في القصة؟

خوى: أنا قارئ أولا ، ولا أستطيع الاستغناء عن القراءة، أما الكتابة فهي قدري، لا أعلم متى وكيف داهمتني

 

في مجموعاتك القصصية هناك تماهي بين القصة القصيرة جدًا والقصة القصيرة؛ كيف تختار النمط الأنسب للنص الذي تنوي كتابته؟ وما الاعتبارات التي تَدخل في هذا الاختيار (الموضوع، الزمن، المكثف التعبيري… إلخ)؟

خوى : القصة ق ج رصاصة واحدة ، يجب أن تصيب الهدف، لهذا فهي الأصعب لأنه لا وقت فيها لنضيعه عكس أشكال السرد الأخرى التي تتيح مساحات أرحب ورصاصا إضافيا.

 

اللغة عندك — بحسب قراءات نقاد — تجمع بين الشعر والقصص، وتستخدم المجاز، المفارقة، التصوير الغرائبي أحيانًا. كيف تنظر إلى هذا المزج؟ وهل تتعمده لتوليد أثر معين عند القارئ؟

خوى : أعتمد السرد على تناغم بين الشكل والمحتوى. وهذا لا يتحقق الا باللغة؛ ولغة السرد تختلف عن لغة الحقول المعرفية الأخرى كالفلسفة والتاريخ. مميزاتها تجعلها قادرة على نقل النداءات الداخلية والأقوال الساكنة في أقاصي الأعماق، ومن هذا المنطلق تتوسل لغة السرد التصوير الذي يبدو  احيانا غرائبيا ليتمرد النص على العالم الواقعي الذي يرفضه. ولعبة السرد تخفي حقيقة عميقة وهي القلق لمواجهة العالم الواقعي، هنا ياسيد دور اللغة

 

ما دور التكثيف اللغوي في كتاباتك؟ ومتى يكون التكثيف مفرطًا بحيث يعرّق الفهم أو يُبعد القارئ؟

خوى : التكثيف هو لغة العمق، هو عصارة الكتابة، يحمل المعنى من خلا إلماعات وإضاءات لغوية. لكن هناك مواقف سردية لا تقبل التكثيف لتعدد الأصوات بها وتشغب تفاصيلها وحقائق أمورها.

القضايا الاجتماعية تظهر كثيرًا في نصوصك: التهميش، الهوة بين الفقر والغنى، الهجرة، الفساد، التفاوت الاجتماعي… ما الذي يشكّل لديك “النداء” الذي تكتب من أجله؟ هل هناك قضية تراها لم تُكتب عنها بعد وتراها عاجلة؟

خوى : كتاباتي ضد شيء واحد هو الرداءة بكل تجلياتها

 

في روايتك قبل الجنون بقليل تبدو هناك مواجهة مع الجنون، مع الذات، مع الواقع الاجتماعي؛ ما الذي يجذبك إلى فكرة “الجنون” أو “ما قبل الجنون” كمقام سردي أو فضاء شعوري؟

خوى : في الجنون بعض من العقلانية كما قال ف نيتشه. العقلاء يسعون إلى الفضيلة، لكن القبح المتنامي هنا وهناك يمنعهم من الوصول إليها ومن العودة إلى نقطة الانطلاقة، من هذا المكان يبدأ الجنون. جنون ليس بالمعنى الاكلينيكي وإنما بالمعنى الوجودي. وهنا شرعية السؤال: من المجنون؟

كذلك، ما هي العلاقة التي تراها بين الفرد والمجتمع في كتاباتك؟ هل الفرد متمرد؟ ضحية؟ فاعل؟ كيف تتغير هذه العلاقة من نص إلى آخر؟

خوى : أكتب ضد القبح سواء كان فرديا او جماعيا. الأفراد يتحركون في المجتمعات وفق نظام قيمي متعال أساسه مجموعة من الميولات والتصورات والادراكات والمعتقدات  تشكل في مجموعها “هابيتوس” طبقي مشترك كأنا أعلى جمعي. الكتابة وحدها قادة على اختراق هذا  الهابيتوس

كيف ترى دور القاص/الروائي في نقل التغيير الاجتماعي أو تحفيز فكر نقدي لدى القارئ؟ هل تكتب لتغيير أم لتوثيق، أم لطرح أسئلة؟

خوى : الكتابة تمارس النقد البناء وهي تتجلى، تخترق الرداءة بشكل ناعم لتصنع فعل فكري أرقى

 

في أعمالك، كيف تتعامل مع النزاع بين التقليد والحداثة، بين المحافظة والتجديد؟ وأين تكون موقعك كمبدع في هذا النزاع؟

خوى : الحداثة قدر وارد علينا والأصالة مقامنا؛ وفيها جذورنا، فلا نحن قادرون على رد قدر الحداثة ولا نحن قادرون على تحصين مقامنا.  العولمة تأتي على الأخضر واليابس والكتابة لا تستثنى من هذا القدر. فالتقويض والتحديث والتنوير والجنوسة… كلها واردات حداثية لا تستطيع السرود النجاة منها في اي بقعة من هذا العالم الذي صار قرية صغيرة.

أكتب وانا أتطلع لمكامن الجمال في الحداثة وفي نفس الوقت لا أنسى المتح من معين الأصالة

 

في النصوص التي تدخل فيها الغرائبية أو الواقعية السحرية، ما الهدف من تلك الفجوة بين الواقع والمثال/الفانتازيا؟ هل تريد هروبًا؟ تأملاً؟ تنبيهًا؟

خوى : ليست هناك فجوات بين ماهو غرائبي وما هو واقعي في الادب لأن السياقات السردية تركن دوما للخيال، والخيال لا حدود له إذ يجعل الغريب مقبولا  والعجيب عاديا  من خلال تحطيم المألوف بهدق صناعة نصوص ذات عمق. هذه إحدى ميزات الادب منذ قصص الاقدمين إلى الشكلانية وأدب ما بعد الحداثة

كيف تتعامل مع النقد؟ كيف تستقبل ردود الفعل، سواء كانت إيجابية أم سلبية؟ هل تؤثر في إعادة التفكير في نصوصك المستقبلية؟

خوى : طبعا، النقد يؤثر على الكتابة لانه يسلط الاضواء على جوانب معتمة من النص ربما كاتبه نفسه لم ينتبه لها

ما النص الذي تحبّ أن يُعاد قراءته من جمهورك—لأنك تشعر أنه لم يُفهم بالقدر الكافي أو لم يأخذ حقّه؟ ولماذا؟

خوى : تفهم النصوص المكتوبة وفق مرجعيات وادوات قرائها لهذا لا استطيع ان احكم على اي نص من نصوصي من هذه الزاوية.

هل تكتب الآن مشاريع جديدة؟ هل هناك فكرة أو مشروع تشعر أنها تغيير في مسارك الإبداعي؟

خوى : اكتب نصا واحدا يتعدد لغة وشكلا داخل دائرة مشروع واحد يحارب القبح سردا وشعرا

لو تُرك لك أن تغيّر شيئًا ما في الثقافة الأدبية العربية أو في مظاهر النشر والقراءة، ما الذي ستبدأ به؟

خوى : التكنولوجيا الحديثة تشن حرب إبادة ضد القراءة لهذا فعلاقة نصوصي ( خاصة الورقية) تقع ضمن دائرة هذه الحرب، لكن سأواصل رغم ذلك.

 

 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.