بين صالح الخطابي الرحماني وصالح الخطابي الاطلس: *مفهوم الصويلحات بين السيبة والمقاومة*
فور تنمية.ذ عبد الخالق مساعد
قطاع الطرق وناهبو الليل وجدوا في كل مكان وزمان ، وقد كانوا افرادا كما كانوا جماعات ،لهم أدبياتهم وأخلاقهم وفلسفتهم في الحياة ،بل تحدثوا عن أنفسهم في الاشعار والقصص والروايات كما هو الشان بالنسبة للشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي،حيث انخرطوا في مجموعات من الأفراد الخارجين على سلطة القبيلة وقوانينها، وعاشوا حياة العراء واللجوء إلى الغزو والسلب، مستخدمين شجاعتهم وفروسيتهم في نهب الأغنياء وإعطاء الفقراء.
وفي المغرب ومع ضعف المخزن وتراجع نفوذه في بعض المناطق ،ظهر قطاع طرق في الشمال اشتهروا زمن السيبة كاحمد الريسوني ، وبوحمارة الجيلالي الزرهوني الذي سيطر على تازة ونواحيها ونازع السلطان في الحكم وحاول اخضاع فاس ،ومحمد الدوات من قبيلة بني ايدر شمال تطوان والذي اختطف الرحالة الاجنبي(والتر هاري) الصحفي البريطاني الذي كان مراسلا لذي التايمز من شمال المغرب، ولم يفرج عنه الا في اطار تبادل الرهائن بين المغرب وبريطانيا.
وفي الشاوية وفي قبيلة امزاب ظهرالبوعزاوي احد المرابطين في حركة الذي أخذ يطوف بجميع أنحاء المنطقة مرددا أن البلاد أصبحت بدون سلطان معلنا بذلك – السيبة –
الا ان الاستعمار وهو يستولى على اراضي المغرب جزءا جزءا الصق صفة اللصوصية والنهب وقطاع الطرق بمن يقف في وجهه من المقاومين والمجاهدين ،خصوصا وان المخزن وقع الحماية ،محاولا ان يفرق الناس من حولهم ويعزلهم ،لكن العكس تماما هو ماحدث، فقد وجدوا التفافا ونصرة وتاييدا من ابناء قبائلهم واصبحوا زعماء وقوادا للحركات ضد المستعمر ، فظهر مصلح “الصويلحات” الرجال الشجعان ، وتداول الناس وسارت الركبان بحديث صالح الخطابي أو صويلح الخطابي لبيان الاعجاب بهذه الزعامات والشخصيات البطولية ،وتم التغني بشجاعتها في المجامع والاحاديث وفي الازجال والاشعار وفي اغاني العيطة الحوزية الملالية والعيطة الحوزية الرحمانية.
وبالرجوع إلى التاريخ وأحداثه فان ظاهرة الصويلحات ظهرت في الرحامنة قبل تادلة والاطلس ، فصالح الخطابي الرحماني الذي تغنت به العيطة الحوزية الرحمانية ظهر كشخصية بطولية سنة 1912 ، في حين لم تظهر شخصية صالح الخطابي في تادلة وبني ملال ولقصيبة والفضاء الجغرافي المحيط بها، الا في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي ،وبذلك يكون هذا المفهوم البطولي لهذه الشخصية نشا في الرحامنة قبل غيرها من المناطق المغربية.
فمن هو صالح الخطابي الرحماني الذي اصبح اسمه يستعار في القبائل الاخرى لغاية المشابهة وبيان الرجولة والشجاعة والاقتداء بشخصيته في الدفاع عن الشرف والاهل والبلد والوطن ؟. وهل يكون مفهوم الصويلحات الذي اصبح يطلق على المجاهدين منشأه واساسه الرحامنة على اعتبار ان صالح الخطابي واجه الفرنسيين سنة 1912 ،قبل ان يظهر هذا المصطلح في تادلة والاطلس ،حيث اقتدى الثوار في تادلة والاطلس بصالح الخطابي الرحماني ؟
وهذا ما سنجيب عليه من خلال العيطة الحوزية التي تحدثت عن صالح الخطابي الرحماني وصالح الخطابي في تادلة والاطلس والسماعلة وبني خيران وخريبكة وبوجعد ووادي زم.
صالح الخطابي الرحماني :
هو زعيم حركة البرابيش التي رابطت في نشل على بعد 25 كلم من سوق لاربعا صخور الرحامنة في 28 غشت 1912، وقد تحدث عنه كل من الجنيرال ليوطي في مذكراته وكذلك الكولونيل مانجان قائد الحملة العسكرية على الرحامنة ومراكش .فقد جاء في مذكرات ليوطي :”الاخبار الواردة ليلة 28 تؤكد ان محمد فاضل خليفة الهيبة في بنكرير على بعد 25كلم جنوب سوق لاربعا في محلته الكبيرة ، فرق أخرى توجد:في نشل على بعد 20 كلم جنوب شرق صالح الخطابي زعيم البرابيش ،في بابا عيسى على بعد 14 كلم جنوب غرب لحسن ولد صالح زعيم يكوت ،وفي سيدي لبهيليل على بعد 12 كلم محمد بن الطاهر زعيم اولاد بوبكر.”
وصالح الخطابي الرحماني قائد فرقة البرابيش هو على الارجح من نزالة الخطاطبة أو من أولاد وكاد الخطاطبة أولاد احسين جماعة الجعافرة الذين هم من البرابيش البورية .
فقد جاء في العيطة الحوزية الرحمانية حول صالح الخطابي الرحماني، تقول العيطة:
ألاباس….ألاباس
الاباس… الاباس
كاين شي علامة يكطعو شامة
كاين شي طلبة من سيد الزوين
مزين البركي في التبوريدة
جاب الشهبة على دراع العودة
جاب البيضا في غروب الشمس
آصالح صالح صالح يا الخطابي
آصالح صالح صالح يا الخطابي
آصالح صالح يا الزهواني
خويا خويا حرك بالمكاحل
مزين الطلبة فسيد الزوين
همز همزة فالظلام همز همزة فالظلام
خلا الرعدة فالعظام خلا الرعدة فالعظام
لا خلالة لاحزام …لاخلالة لاحزام
اولاد ازعير كاع علامة
آصالح صالح يا الخطابي
آصالح صالح يا الخطابي
ضربو عليه النقب ..ضربو عليه النقب
خرجو عوجات الركب خرجو عوجات الركب
اولاد السراغنة كلهم علامة
اولاد السراغنة كلهم علامة
آصالح آصالح صالح صالح يا الخطابي.
وهكذا يتبين لنا أن صالح الخطابي من الزعامات الرحمانية المحلية ، التي ظلت رافضة رفضا مطلقا الخضوع للمستعمر الآتي ، وبقي يمارس فروسيته حسب القيم التي أنتجها مجال الحوز من مثل تبرك الفرسان من طلبة سيدي الزوين ، كما تبين العيطة درجة محبته لسيد الزوين، كأحد الزعامات الدينية المعروفة بالحوز، بالقرآن وأهله ، و زاويته المخصصة لحفظه واعتزازه بالقرآن ،كما تبين دور الفرسان والعلامة في حفظ الشرف والدفاع عنه (يكطعو شامة) أي يحفظون شرف المرأة الرحمانية التي تريد اجتياز المسالك الخطيرة .كما انه يتباهى بشجاعته وفروسيته بين فرسان وشجعان قبائل ازعير وفرسان وشجعان قبائل السراغنة .
الصويلحات في تادلة والأطلس:
خلال العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي وفي فترة احتلال الجيش الفرنسي لسهول تادلة المتاخمة للأطلس بقيت بعض المناطق مستعصية على المستعمر ولم يستطع السيطرة عليها خصوصا الجيوب الوعرة بأعالي الأطلس والتي احتمى بها المجاهدون عربا وامازيغ .وهؤلاء المقاومون الوطنيون لقبهم المستعمر في ذلك الوقت “بالسياب” أي أصحاب السيبة والفوضى والخارجون عن النظام ،كما أطلق على الأراضي التي يتواجدون بها مناطق السيبة .ولم يكتف المستعمر بمطاردتهم وحصارهم بل لجا إلى استخدام وسائل الإغراء والضغط كالتنكيل بأهاليهم وعائلاتهم .
وإذا كان المستعمر سماهم بالسياب فان قبائلهم أطلقت عليهم اسم الصويلحات اقتداء برجلين هما صالح بن إبراهيم وصالح الخطابي، وهذان الرجلان ينحدران من قبيلتي أولاد يعقوب وأولاد إسماعيل ببني معدان في منطقة تادلة، كما كان معهما رجال آخرون من قبائلهم من بينهم قواد قبائل . وكانت جبال الأطلس الحصن الحصين لهؤلاء من قنابل مدفعية وطيران القوة الفرنسية التي كانت تعتمد بالأساس على المتعاونين الخونة. استطاع هؤلاء المجاهدون أن يفرضوا على جيش الاحتلال عدم تجاوز أرض المخزن التي كان يديرها القواد الموالون للاستعمار. وكان هؤلاء الأبطال ينزلون من الجبال ويقطعون سهولا شاسعة، من زاوية أحنصال مرورا بناوور والقصيبة (قصيبة موحى وسعيد)، ويمرون بأرض تارتمات المحادية لنهر أم الربيع. وبأرض أولاد اسعيد الواد، وبأرض أولاد يعقوب أولاد اسماعيل .وقد افلح هؤلاء الصويلحات في اختطاف كثير من الرهائن الفرنسيين والدخول في مفاوضات ومساومات مع المستعمر.
وقد خلدت العيطة الحوزية الملالية (صالح صالح يا الخطابي) ذكر هؤلاء وبطولاتهم وشجاعتهم ووطنيتهم.
تقول العيطة:
ضربو عليه النقب…جبدو عوجات الركَب
جبدو شامة بنت علال الشرقاوي…خلاو الشلحة فمها لاوي
أودي منسحبش النوضة اليوم…أما نبالي بيكم
حسبو البكَر ضارب وخاطي…وا وليدي هاه سيدي صالح يا الخطابي
حسبو الخيل دايزة في الليل…واوليدي هاه سيدي صالح يا الخطابي
خيمة حدو مقابلة لعدو…واوليدي هاه سيدي صالح يا الخطابي
فارس وحدو واشنو جهدو…واوليدي هاه سيدي صالح يا الخطابي.
والشاعر العيطي في العيطة الملالية “الشجعان” يذكر الخيل وأمكنة من مناطق الأطلس:
واه مالين الخيل يا بابا…واه هجمو هجمو يا سيدي
الحركة بدات…يا بابا…والعلفة جات ياسيدي
مالين الخيل..يا بابا…سنحو وركبو يا سيدي..
ورونو القبايل يا بابا
واش من والى يتوالى…واش القياد تكون من موالى
فين السماعلة وبني خيران…كل خيمة ولدت علام
فين أيامك يا بوكَروم… ع الحركة والخيل تعوم.
ومن خلال متن هذه العيطة يتجلى لنا أنها تتحدث عن صويلحات تادلة وبني ملال من خلال ذكر (الشلحة ،شامة بنت علال الشرقاوي،خيمة حدو،السماعلة وبني خيران، بوكروم ).
ومن خلال هذه المقارنة في المتن العيطي يمكنا أن ننسب العيطة الحوزية إلى مجالها الرحماني أو الى مجالها الاطلسي، وبالتالي الشخصية التي تتحدث عنها ،وهوما يثبت ان الشخصية البطولية الحقيقية لصالح الخطابي نشأت في الرحامنة ،تسمية واصلا ونسبا فهو صالح الخطابي من لخطاطبة ،في حين ان صويلحات تادلة والأطلس هما صالح بن ابراهيم وصالح الخطابي هما من قبيلتي أولاد يعقوب وأولاد إسماعيل ببني معدان في منطقة تادلة،وقد تكون شخصية الرجل الثاني شخصية مستعارة وذلك للتخفي والتنكر حذرا من المستعمر وأعوانه .
بقي أن نشير الى ان اضافات الحقت بمتن وأبيات العيطة الحوزية الرحمانية،لم تدونها الأغاني وإنما تتداول بين سكان الرحامنة شفويا ،وهي أبيات مدسوسة بثها الخونة في الرحامنة والمتعاونون مع الاستعمار، للانتقاص من شخصية صالح الخطابي الرحماني، وجعله شخصية نافرة، أو شاذة على المتعارف عليه، داخل الجماعة والقبيلة .
صالح صالح يا الخطابي
صالح في الحدرة قتلوا سارح
صالح في الحدرة قتلوا بمدرة
صالح في الحدرة مرمي في سدرة
فصالح الذي ترتعد فرائص الرجال لسماع اسمه، لا يمكن أن ينال منه سارح، لم يتملك فنون الفروسية، مما يدل على أن هذه الأبيات مدسوسة،الشيء الذي يقتضي إخضاع الكثير من العيط الحوزي للتحقيق، والتمحيص، هذه المسؤولية هي مسؤولية وزارة الثقافة، والجمعيات، والفاعلين ، والمثقفين، للعمل على صيانة تراث الامة من الضياع والتحريف والإندثار.
ويكفينا ردا فاحما على هؤلاء أن صالح الخطابي الرحماني ذكرته مذكرات الجنيرال ليوطي أشهر مقيم عام لفرنسا بالمغرب وقائد جيوشها ، ومذكرات الكولونيل مانجان منفذ الحملات العسكرية على قبائل المغرب ،وصورته في صولته وصولجانه بين أبناء قبيلته ،زعيما وقائدا للحركة التي وقفت في وجه الجيوش الفرنسية على أرض الرحامنة.
المراجع:
– مذكرات ليوطي
– اغاني العيطة الحوزية كشكول نسيم حداد القناة الاولى

