الباحث منير الحجوجي يفتح نافذة على فكر جون-ماري بلط: عن التنوع والخيال الإيكولوجي
فور تنمية :ترجمة منير الحجوجي، باحث ومترجم، المغرب
“وحتى دون أن ندري ذلك، تساهم الإيكولوجيا، من قلب الاختمار الهائل الأن في الأفكار والمبادرات، في انبثاق ثقافة أخرى، كإرهاصات ضرورية لولادة حضارة جديدة. وماذا لو كانت هذه الحضارة، بعد انهيار عالم المال كلي القدرة، هي حضارة المحبة؟”.. جون ـ ماري بلط .
مع توالي السنوات، أصبح جون ـ ماري بلط Jean-Marie Pelt، الذي ازداد في قرية اللورين برودماك سنة 1933، شخصية بأبعاد ومواهب متعددة. جون ـ ماري بلط رجل الجامعة، أي القاعدة، والمعيار، والقياس، وهو أيضا محارب، وناشط اجتماعي، وإيكولوجي لا يتوقف عن التنديد وتفكيك مختلف آليات وألاعيب السادة الأقوياء في سعيهم نحو الاستحواذ والتحكم في الحي، وفي زراعات العالم، وفي الثقافات. ألا يقول عن نفسه بأنه “عالم نباتي ملتزم”؟.. من جهة أخرى، إن بلط، الذي لم يغادر أبدا البحث الروحاني الذي يكشف له، من قلب الطبيعة الحية، عن مختلف تجليات الالاهي، هو، إضافة لذلك، رجل الإحساس، والشعر، والحميمية. هي ثلاثة حيوات على الأقل لعاشق النباتات هذا.
بالنسبة للحياة الأولى، أذكر بأن هذا العقاقيري المبرز اشتغل أستاذا للبيولوجيا النباتية وللكربطوكاميا في كلية الصيدلة بنانسي الى غاية 1972. في تلك الفترة أسس بمدينة ميتز، وبدعم من البلدية، “المعهد الأوروبي للإيكولوجيا”. سيدرس أيضا علم النباتات والفيزيولوجيا النباتية بكلية العلوم في جامعة بول فرلين بميتز.
لم يترك جون الميدان أبدا. سافر في مهمات علمية نحو بلاد كثيرة من مثل أفغانستان والطوغو والبنين وساحل العاج والمغرب. لا داعي لأشير الى أن المجموعة العلمية تعترف له بأعماله. سينتخب رئيسا ل”المؤسسة الأوروبية للبحث حول التربية وإيكولوجيا الشخص وتطبيقاتها الاجتماعية”، ثم رئيسا شرفيا ل”الجمعية الفرنسية للإتنولوجيا العقاقيرية” .
تتجسد الحياة الثانية لبلط، تلك التي بدأ فيها ممارسة النضال الإيكولوجي، من خلال وقوفه المستمر والدائم في وجه الانحراف التقنوي وفائق التجريد للعلم المعاصر، ومن خلال أيضا اصطدامه مع وسط الأعمال. إنه من أوائل العلماء الذين حذروا الرأي العام من الأخطار المحتملة للكائنات الحية المحولة جينيا على التنوع الطبيعي. سيواصل بلط نفس الحرب وهو يشغل منصب السكرتير العام ل”لجنة البحث والإعلام المستقلين حول الذكاء الجيني”. لقد ساهم، من خلال كتبه ومقالاته ومحاضراته العديدة وبرامجه التلفزية والإذاعية، بشكل واسع في ولادة الوعي الإيكولوجي.
ماذا أخيرا عن حياته الروحانية، الحميمية؟. ما هي التجارب التي صقلته؟ لنستمع إليه وهو يتحدث عن لقاء خاص حصل بقرية بالأليي، بمنطقة الأوفرنيي، بمرسيليا: “في أحد الأيام، وخلال جولة في حقول تشكل امتدادا لحديقتنا في مرتفع القرية، تفجرت فجأة عاصفة رهيبة. وحتى أنجو من الفيضان، حملني أبي نحو حاجز حيث كانت تقف أشواك بأزهار وردية شاحبة. تقدمت وردة على مقربة شديدة من وجهي. كانت ترسل قطراتها بهدوء، تاركة دررا مطرية رقيقة تنزلق فوق وجهي. ماذا حصل حينها؟ لقد استدمجت ذاكرتي العاطفية هذه الذكرى البصرية التي لم تتركني منذ ذلك الحين، تماما كذكرى حلوى المادلين التي التهمها بروست في كابورغ ورافقته إلى الأبد بعبيرها الممزوج بالشاي حيث مرغها. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الأزهار البرية، تلك الأزهار الوحشية، ثم سريعا الأزهار، مرافقات حميميات لي. كنت أرسمها في كل مكان: في دفاتري، في سجلاتي اليومية، في مقلمتي. عوضت الأزهار البواخر التي كنت أرسمها قبل هذا الحادث الذي لا ينسى. أحتفظ من هذا الحادث بحب بلا حدود للأزهار، وبشكل خاص للأزهار ذات اللون الوردي، لوني المفضل.
واليوم (…)، لا يمكن، وتحت أي عذر، أن أقتلع زهرة، لكوني واقع فعليا وعاطفيا في شباك تأملها” .
يمكن القول بأن روح جون ـ ماري هي من طبيعة نباتية، بنفس الشكل الذي يمكن لآخرين أن يكون لهم مزاج بركاني. تكشف لنا هذه المكونات الطبيعية شخصية الرجال والنساء. على كل حال، يمكن القول بأن روحانيات بلط، مسيحية الجذور، هي روحانيات نباتية.
ناطلي كالمي: ما الذي تغطيه كلمة “إيكولوجيا” في تصورك للعالم؟ كيف يمكنك أن تعرفها انطلاقا من ممارستك المهنية وانطلاقا أيضا من تجربتك في “المعهد الأوروبي للإيكولوجيا”؟.
جون ـ ماري بلط: الإحيائي والعالم الحيواني الألماني إرنست أوغوست هايكل (1834ـ1919) هو أول من نحت كلمة “إيكولوجيا”. أحب كثيرا التعريف الذي يقدمه. بالنسبة لأوغوست، إن الإيكولوجيا هي العلاقة، التعاونية أو التصادمية، الموجودة بين الكائنات الحية ووسطها الحي. إن فكرة علاقة تعاونية مفترضة، هي، في نظري، إيجابية جدا في فترة – نحن هنا في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر- حيث الصراع من أجل الحياة، وقانون البقاء للأقوى، عند داروين مثلا، يشكلان التصورات المهيمنة للعالم.
لقد اعتبرنا، داخل “المعهد الأوروبي للإيكولوجيا”، وبكل تواضع، بأن من ضمن الكائنات الحية التي درستها أو تدرسها الإيكولوجيا يوجد أيضا الإنسان. وحتى فترة قريبة، لم يأخذ (بضم الياء) الإنسان حقا بعين الاعتبار. كانت هناك فعلا إيكولوجيا نباتية، وإيكولوجيا حيوانية، ولكن لم تكن هناك إيكولوجيا بشرية!. لقد ظهرت هذه الأخيرة فترة طويلة بعد ذلك. لقد ساهمنا بلا شك في منحها حياة أخرى عندما استعدنا، انطلاقا من سنة 1971، تعبيرا قديما هو “الإيكولوجيا الحضرية”. ولد هذا التعبير في الثلاثينيات، مع أعمال تيار فكري داخل العلوم الاجتماعية، هو تيار “مدرسة شيكاغو” الذي اشتهر بتحليل الإطارات التي توجه حياة الإنسان الحديث، الإطارات الهندسية والحضرية التي تطور داخلها، وأيضا أنماطه في التواصل، وفي النقل، علاقته بالبيئة الخ..
علي أن أقول بأنه إذا كنت قد أخرجت مقولة الإيكولوجيا الحضرية من قبرها أنا وصديقي روجي كلاين، فإن الهدف كان هو محاولة رفع تحدي تطوير مدينة ميتز، حيث يوجد مقر المعهد. لقد تعاوننا بشكل كبير فيما بيننا حول ذلك الملف الشاسع جدا الذي يعالج العلاقات بين الإيكولوجيا وهندسة المدن وكل ذلك بشراكة مع البلدية التي كان جون ـ ماري روش في تلك الفترة هو عمدتها.
سؤال: نتوفر اليوم، إذن، على تعريف أكثر شمولية للإيكولوجيا من التعريف الذي صيغ في القرن التاسع عشر؟.
جواب: تماما. ولكن، وحتى أستكمل محاولتي لتعريف الإيكولوجيا، يجب الصعود أبعد من هايكل. وحتى وإن لم يكن هو مبدع الكلمة، فيمكن أن نعتبر وبشكل لا لبس فيه العالم الطبيعي والجغرافي والمستكشف الألماني ألكسندر هامبولدت (1769ـ1859) أحد كبار مؤسسي الإيكولوجيا. كان لهامبولدت خلال أسفاره، وخصوصا تلك التي قادته إلى أمريكا الجنوبية، الحدس القوي بوجود ما كان يسميه “وحدة الطبيعة”. تصور هامبولدت أن هذه الوحدة كما رصدها هي ثمرة التداخل بين الوسط البيئي والكائنات الحية. هكذا اكتشف وجود رابط بين الأنواع النباتية والمناخ. كان هامبولدت من العلماء الأوائل الذين درسوا التمفصلات الموجودة، على مستوى فضاء معطى، بين مكونات وبنية الأنساق، والشروط المناخية، ونسبة الأمطار، والعلو .. الخ.. إن هامبولدت هو أب الجغرافيا النباتية، والجغرافيا البيولوجية، المبحثان اللذان حضرا لظهور الإيكولوجيا.
من المهم أن نشير إلى أن مختلف هذه المفاهيم جاءتنا من الألمان، في حين أن المعجم البيئي الحالي هو بالأحرى أنغلوسكسوني.
سؤال: إلى جانب هامبولدت يمكن أن نشير أيضا إلى اسم ألماني أخر، هو غوته، الذي سيلعب دورا أساسيا في الإيكولوجيا النباتية، وبشكل خاص على مستوى علم النباتات.
جواب: نعم. كان جوهان ولفغانغ فون غوته (1749ـ1832) أيضا إيكولوجيا كبيرا. فإسهاماته في الإيكولوجيا النباتية كانت بالفعل حاسمة. نهاية القرن 18، زار غوته الحديقة النباتية لباليرمو (إيطاليا. المترجم). وهناك سيقف مشدوها أمام أنماط عيش النباتات. وفي نص جميل جدا، سيشرح كاتبا ما يلي: “مع البذرة، تبدأ النبتة بحالة من الانكماش الشامل. ومع تفتح البذرة، تتطور النبتة وتدخل إلى مرحلة تمدد قوي جدا. وإذا ما كان الأمر يتعلق بنبتة سنوية، فإن هذه المرحلة تغطي مجموع حياتها. ثم تأتي مرحلة جديدة، هي مرة أخرى مرحلة التقوقع، حيث يتشكل الزر. في مرحلة أولى، يكون الزر مقفلا، ويشبه كرة مصغرة من الطاقة المكثفة. وفي مرحلة ثانية، عندما يتفتح الزر، تتخذ الوردة، من داخل النبتة، كل بعدها، كل عظمتها. ومع تفتح الوردة، تدخل النبتة مرحلة التمدد. تم تأتي مرحلة ثانية من التقوقع عندما يتشكل جهاز التوالد في قلب الوردة. وأخيرا تبزغ الثمرة. قبل أن تعمل بذرة جديدة على أن تستمر حلقة الحياة”. لا أنسى أنه بالنسبة لغوته، و”خلف” النبتة المادية، الواقعية، المرئية، تثوي “نبتة نموذجية”، الفكرة ذاتها الخاصة بالنبتة. نحن نوجد مع غوته أمام رؤية قوية وجميلة للطبيعة الحية والمتحركة، وهي الرؤية التي ستلهم علم النباتات ولكن أيضا البيولوجيا الدينامية والزراعة البيولوجية.
سؤال: من هم، في العالم الفرنكفوني، الرواد الآخرون للعلم الإيكولوجي؟.
جواب: لابد أن أتحدث عن مواطني جون ـ باتيست لامارك (1744ـ1829). كان لهذا العالم الطبيعي اقتناع قوي بأن الإنسان كان يقوم بتدميرات واسعة في حق وسطه فكان بالتالي يخاطر بتدمير ذاته بذاته. سيسر لنا لامارك، ومنذ سنة 1820، بأحد أكبر دروس الإيكولوجيا. إذ كتب ما يلي: “يبدو أن الانسان، وهو يدمر وأينما حل وارتحل النباتات الكبرى التي تحمي الأرض (…)، قلت يبدو أنه منذور إلى أن يبيد ذاته بذاته بعدما سيحول الكوكب إلى مكان غير قابل للسكنى”. لقد كانت هذه المعاينة أصيلية جدا، بل استبصارية – بالنسبة لرجل من بداية القرن 19. إن لامارك هو بلا شك أحد رواد الإيكولوجيا. للأسف، لم يتم الإنصات إليه بما يكفي بما أن داروين هو الذي كسب الحرب في مجال السجال حول نظريات التطور.
في القرن 20، هناك، بطبيعة الحال، تيودور مونو (أنظر الحوار مع مونو في مكان أخر من الكتاب). كان مونو يتوفر على ثقافة واسعة جدا تعتبر ضرورية عندما نريد التحدث، بشيء من الكفاءة، عن الإيكولوجيا. لقد كان مونو النموذج الأعلى، بل أقول النموذج الأعلى الأخير لما كان عليه في السابق علماء الطبيعة. فلقد كان هؤلاء على معرفة بالجيولوجيا، وعلم المعادن، وعلم النباتات، وعلم الحيوانات، وعلم المناخ، (إذا ما افترضنا وجود هذا العلم في تلك الفترة)، وعلم الجغرافيا، وحتى علم ثقافات العالم.
وخارج العالم الفرنكفوني لا يجب أن ننسى هنري دافيد طورو (1817ـ 1862)، بأمريكا الشمالية، أواسط القرن 19، والذي كان معاينا كبيرا للأوساط البيئية. لقد حدس طورو بوجود رابط ضروري مع الطبيعة، في فترة كان فيها الانسان مدمرا كبيرا للأوساط الحية.
كان سلوك المهاجرين الأمريكيين الأوائل سلوك أنذال الى أبعد الحدود. ولقد ألح طورو بشكل كبير على الاحساس الذي على الإنسان أن يطوره صوب الوسط الطبيعي.
هامبولدت، غوته، لامارك، طورو، مونو.. أنا أحيل على الدوام إلى هؤلاء الكتاب!.
سؤال: هل يمكنك أن تفسر لنا لماذا نحن بحاجة الى كل هذه المباحث لمزاولة الإيكولوجيا؟.
جواب: الإيكولوجيا رهينة بوجود التنوع. نعلم جيدا ما هو التنوع الطبيعي، ولكن هناك أيضا التنوع الإثني. هذه كلمة نحن من قمنا، بشكل ما، بإبداعها في “المعهد الأوروبي للإيكولوجيا”. يتعلق الأمر بتنوع المباحث المرتبطة بتنوع المعارف والثقافات. للأسف توجد هذه المعارف الإثنية في حالة من التراجع. علينا أن نعي بأنه إذا كنا نعاين، ويوميا، تقدمات حقيقية رائعة على مستوى المجتمع، فإن معارف تقليدية تضيع وتدفن في الوقت ذاته. سآخذ مثالا دقيقا عشته. في نقطة غابرة من غابة بعيدة التقيت معالجا طبيعيا كبيرا تلقى معرفته عن أبيه، الذي تلقى معرفته بدوره عن جده. لن أخفي أن هذه المعرفة باهرة. اليوم، يرتدي الابن المراهق لهذا المعالج سروال جينز وينصت للموسيقى الأمريكية على آلة ترانزيستور. لم تعد المعرفة تمر. لم يعد يمرر أي شيء. نحن هنا أمام ضياع – رهيب جدا- من وجهة نظر التنوع الإثني.
سؤال: هل يمكن القول بأن تنوع المباحث التي تتحرك ضمن العلم الإيكولوجي وضمن المعارف الإثنية هو صورة للتنوع الموجود في العالم الحي؟.
جواب: أنا الآن بصدد قراءة كتاب في علم الفلك جعلني أكتشف تنوعا كونيا خارقا. توجد في الكون أشكال عديدة من النجوم، كازارات، بولزارات ، الخ.. كما نجد في الذرات الأولية تنوعا عجيبا في وقت كنا نعتقد فيه أنه لم يكن هناك سوى إلكترونات، ونيترونات، وبروطونات.. يشكل هذا التنوع الرحم الأول للعالم.
سؤال: يمكن إذن أن نجعل من التنوع مبدأ فعليا لفهم كل مستويات الواقع.
جواب: نعم. إن فكرة التنوع هاته هي فكرة جديدة نوعا ما. لقد ألحت الشعوب في فلسفاتها وحكمها وأيضا العلوم وكل المعارف دوما على وحدة الحي. كان هامبولدت مفتونا بوحدة الحي، الذي اعتبر أنه يخضع لقوانين كونية تماما. وباستثناء البكتيريا، فإن كل حياة تبدأ ببيضة. تم يأتي النمو، والركود، والانحدار، فالموت. تتوفر مجموع الكائنات الحية على نفس الكيمياء، هو الحمض النووي، وتشترك في ظواهر هي التنفس والغذاء والتوالد..الخ.. لقد ألححنا لمدة طويلة على وحدة العالم الحي، ولكن لم نلح بما فيه الكفاية على مفهوم التنوع هذا، الذي ينبعث بقوة كبيرة جدا مع الإيكولوجيا.
سؤال: لم نمر إذن من الوحدة نحو التنوع، لأن هذا الأخير حاضر منذ البداية.
جواب: بالفعل، إن التنوع حاضر منذ البداية. إنه قانون طبيعي أساسي جدا، بنفس أهمية مبدأ وحدة الحي. لنشر أيضا الى أن شعار أوروبا هو: “موحدون في إطار التنوع”!.
سؤال: إذا كانت الإيكولوجيا، كعلم، تضم عددا مهما من المباحث والمعارف، فإلى أي مجال خاص تنتمي اذن؟ هل إلى مجال العلوم الحقة أم مجال العلوم الإنسانية؟.
جواب: تنتمي الإيكولوجيا، بطبيعة الحال، إلى كل العلوم. لكن لها علاقة قوية جدا بعلم البيولوجيا. سأستفز القارئ وأنا أذكر بهذه الظاهرة الغريبة جدا التي تشير إلى أن البيولوجيا، في الكليات والمراكز العلمية للبحث الوطني وداخل المعاهد العليا للتدريس والبحث، تبقى تقريبا حصريا “جزيئية”، أي أن عالم البيولوجيا يدور كليا حول الحمض النووي. بالمقابل، يهتم عالم الإيكولوجيا بمصير التنوع الحيوي. والحال أنه كيف يمكننا حماية التنوع الطبيعي إذا لم نعرف الأنواع؟. إن هذا هو ما يقع الأن. مثالان. التقيت طالبين شابين في البيولوجيا حدثاني بنفس الخطاب. قالا لي بأنهما يتأسفان لكونهما يدرسان في الكلية وأنهما يفضلان أن يكونا على أرض الميدان. أحدهما مهندس زراعي يحضر الدكتوراه. اليوم، يتطلب التركيب القيام بمحاكاة على الكومبيوتر. لقد ناضل هذا الشاب باستماتة حتى يحصل على رسالة دكتوراه في الميدان. المشرف على الرسالة الوحيد الذي قبل بالأمر كان كنديا !. هذا أمر دال جدا على نوع من “اللاجواب” من طرف المعرفة الرسمية المدرسة حاليا، معرفة لا تأخذ بعين الاعتبار القدرة على الملاحظة التي هي مع ذلك الميزة الأولى لعالم الطبيعيات. هناك إذن هوة، طلاق بين البيولوجيين والطبيعيين. للأسف، لم يعد البيولوجيون طبيعيين !.
سؤال: إن ما تقوله هنا مثير للغاية، لأن الفيزياء والرياضيات والكوسمولوجيا كلها قامت بثورتها المفهومية وتجاوزت النماذج الاختزالية. لدينا شعور بأن البيولوجيا، مع البيولوجيا الجزيئية، تظل أخر قلاع النزعة العلموية.
جواب: هذا صحيح تماما. في نفس الكتاب الذي أقرأ الآن حول علم الفلك والفيزياء الكونية، أجدني منبهرا بإشكاليات شديدة التنوع، وبمقاربات متنوعة، وبفرضيات تتصادم فيما بينها. لا وجود ولو لحقيقة واحدة منزلة. البيولوجيا، على العكس، تومن بذلك !. إن البيولوجيا الجزيئية هي بشكل ما نوع من الحقيقة الأبدية، المنزلة. إنها مبحث لم يقم بثورته الكوبرنيكية، كما هو الحال مع الفيزياء، وبشكل خاص الفيزياء الكوانطية، أو أيضا علم الفلك. من وجهة النظر هاته، نحن نوجد مع البيولوجيا في قلب نزعة اختزالية قوية جدا لا تدمج أبدا الخاصية الموجية للمادة، نزعة يكمن جانبها السلبي الخطير في فصلنا عن الطبيعة الحسية. بالنسبة للبيولوجيا، توجد الطبيعة في المختبر وفي الحاسوب. مؤخرا، أسر لي أستاذ لعلوم الحياة والأرض بالملاحظة التالية: “أنتم تعلمون أننا نسمي مبحثنا علوم الحياة والأرض، لكن هذا ليس صحيحا. يجب بالأحرى القول علوم الافتراضي والتكنولوجيا !”. واليوم، من الصعب أخذ الشباب إلى الميدان، تحت ذريعة أنهم قد يغرقون في نهر !. يتم التدريس إذن حصريا في المختبرات أو قاعات الدرس.
تعاني دراسة المناخ من نفس الأعراض !. حاليا هناك توجه نحو إعادة صياغة العلم لكن دون أية إشارة الى الملاحظة. لم يعد العلماء يلاحظون !. في ممارستي كعالم نباتي، كنت أعبر أفغانستان والطوغو وساحل العاج أو المغرب لدراسة النباتات التقليدية في هذه البلدان. كان علي في بعض الأحيان أن أضع نظارات مكبرة حتى أتمكن من أن ألاحظ عن بعد البساتين أو أنواع النباتات. اليوم تمارس الملاحظة بطريقة هامشية. ففي فرنسا، يبخس الباحثون الذين يشتغلون على مباحث ميدانية وينظر لهم بوصفهم “علماء سفليين”.
سؤال: ألم تساهم العلوم الجينية في انتصار البيولوجيا الجزيئية؟.
جواب: نعم، هذا صحيح تماما. عندما تقولون: “أنا أزاول علم جينات السكان”، يتم وضعكم على قمة التراتبية العلمية في عالم البيولوجيا، ويتم منحكم نفس قيمة فيزيائي كبير جدا. ولكن عندما تقولون: “أنا عالم نباتي”، يتم اعتباركم شخصا بليدا.
سؤال: قلت بأن الإيكولوجيا هي حقل متعدد المباحث يتموضع عند تقاطع العلوم الحقة والعلوم الإنسانية. ماهي، داخل الإيكولوجيا، المباحث التي قد تزاحم الموقع القوي الذي تحتله البيولوجيا الجزيئية ونزعتها الاختزالية؟.
جواب: أفكر في الجغرافيا، قريبة الإيكولوجيا. بعض التيارات العلمية في الإيكولوجيا تأتينا من الجغرافيا التي يبدو أنها حافظت على رؤية أكثر شمولية. الجغرافيا إذن هي إحدى المصادر الممكنة للإيكولوجيا. لا يروم الجغرافيون فقط رسم الخرائط، كما يعتقد ذلك، بل إنهم يعيرون اهتماما حقيقيا للوسط البيئي. فمكان البحث لدى الجغرافيين هو الميدان. أما الجيولوجيون فلقد ظلوا، مثلهم في ذلك مثل الجغرافيين، ناس ميدان. صحيح أن البحث عن البترول في جوف الأرض لا يمكن أن يتم في المختبر. أعتقد أن أحسن وسيلة لمزاحمة النزعة الاختزالية للبيولوجيا الجزيئية هي الرفع من شأن المباحث العلمية الميدانية.
سؤال: ما هي رؤيتك للتربية؟ ما معنى أن نربي؟.
جواب: يجب على التربية، فيما يخص الإيكولوجيا، أن تبدأ مع الطفل الصغير جدا. الشبان مفصولون عن الطبيعة ويضيعون جزءا كبيرا من وقتهم في ملاعبة الآلات. إذا لم يكن شاب يحمل بين يديه هاتفا محمولا، ويضع سماعات في أذنيه، ويغرق عينيه في شاشة حاسوب، فإنه يحس كما لو أنه على شفير الموت. هذه هي ثقافة اليوم: ثقافة تتطور، مدعومة في ذلك من طرف النسق، من دون أي نقد. وإذا كانت التكنولوجيات الحيوية تتعرض لنقد قوي، من خلال مثلا التنديد بالمنتوجات المعدلة جينيا وبتكنولوجيات الإعلام والتواصل، الا أنه ليست هناك أية إعادة نظر جادة في الآلات. لقد حان الوقت للإنصات للنقد ! أما فيما يخص “الآلات”، فنحن نلج هنا عالم التنميط الثقافي. الكل يقبل باغتناء الشركات متعدية الجنسيات التي تصنع “الآلات”. إن الثمن الذي يتوجب دفعه هو فصل الكائنات البشرية عن الطبيعة، عن العالم المحسوس.
أعتقد – وأنا أنطلق هنا من تجربتي الشخصية في الحياة – أنه يتوجب وبشكل حاسم أن يكتسب الطفل الصغير إحساسا بالانتماء، بالقرب من الطبيعة. ويجب تعلم هذا الأمر انطلاقا من الروض. وهذا ما قمت به عندما كنت مساعدا للعمدة في بلدية ميتز. فلقد شيدنا، سنة 1974، حدائق صغيرة في ساحات كل روض (جمع روضة. المترجم) المدينة. وفي مصلحة المساحات الخضراء للبلدية، كان المسؤول عن حدائق الأزهار والأغراس مكلفا بمرافقة و”تكوين” الصغار، وكذلك أساتذتهم، حتى يتعلموا كيف يغرسون البذور، وكيف يسقونها..الخ.. أتذكر أننا كنا نعاني من مشكل الانقطاع في فترة العطل. كان على (مسؤولي) مصلحة الفضاءات الخضراء والمكلفين بحراسة المؤسسات أن يصونوا هذه الحدائق الصغيرة حتى إذا عاد التلاميذ من عطلتهم يكون بإمكانهم قطف الفواكه والخضر. يبدو لي من المهم جدا – وأنا ألح على ذلك – أن يضع أطفال المدن أرجلهم في قلب الكائن الحي. عندما أتدخل لدى الجماعات المحلية ويطلب مني أن أعرض طرقا إيكولوجية ملموسة يمكن اتباعها، كثيرا ما أتحدث لهم عن هذه المبادرة التربوية المحلية. بعد هذه التجربة، دائما في ميدان التربية، صغنا، أنا ومعاوني فرانك سطيفان، حكاية من أجل الأطفال. قمنا بإخراج هذه الحكاية على المسرح باستعمال الكراكيز. كنا نقدم العمل في كل واحد من الروض، من خلال عرض الحلقات الثلاث، على مدى ثمانية أيام. حاولنا أن تكون قصصنا مشوقة حتى يتمكن الأطفال من أن يتابعوا المغامرات وأحداث جون الصغير وجده. كانت الحكاية تدور حول رغبة جون الصغير في أن يساعد جده المسن والمتعب في عمله بالحديقة. كانت هناك في الحديقة كائنات صغيرة، “البيوسونات”، تعيش تحت الأرض وتساهم في أعمال الحديقة. وكان العرض دائما مسبوقا أو متبوعا بعمل تطبيقي موجه للأطفال. كنا ندفعهم للقيام بتجارب، من مثل تلك التي تتمثل في ملاحظة بذرة عندما تخرج من البطاطا وتصعد نحو الضوء، أو أيضا تنفس النبتة عندما يتم وضعها داخل قفة بلاستيكية. كان بإمكان الأطفال أن يروا نقيطات الماء وهي تسقط على الجدار..
وعندما قمنا بكل هذا مع ومن أجل الأطفال، – بستنة، مسرحة حكاية في موضوعة ماهية الحي، تنزيل مجموعة من التجارب اللعبية – تيقنت من أنهم يتعلمون ليس بالضرورة معارفا، ولكن على الأقل إحساسا، وعاطفة، وإدراكا..
إن السؤال الكبير الذي يطرح بعد كل هذا هو: “ما الذي يتوجب فعله حتى يمكن لهذه المكتسبات أن تحافظ على نفسها بل وتتطور في المراحل العمرية العليا؟”. لقد ناضلت حتى أذكر المسؤولين عن المدارس الابتدائية بأهمية أن يطوروا، ومنذ الطفولة، إحساسا أصيليا بالطبيعة وبالوسط البيئي. طلبت منهم أن يدمجوا، في برنامجهم الخاص بالإيكولوجيا، إيكولوجيا تكون بطبيعة الحال متكيفة مع الواقع، سواء على مستوى نوعية المحتويات أو على مستوى الاختيار البيداغوجي. للأسف، لابد أن نلاحظ بأن هذا التحسيس البيئي على المستوى الوطني – وبالنظر الى الأبعاد التي تتخذها الأزمة البيئية – ليس حاضرا بما يكفي.
سؤال: تحدثت عن الحكاية كأداة بيداغوجية، هل يمكنك، في سياق مقاربة أكثر شمولية، أن تشرح لنا دور الخيال في سيرورة تنزيل التربية على البيئة؟.
جواب: انه سؤال حقيقي. إن دور الخيال هو، ببساطة، دور أساسي. لهذا السبب كثيرا ما أقول بأنه من المهم جدا، حتى وإن كنتم تتربعون على أعلى القمم الجامعية، أن تعرفوا كيف تحكوا القصص. إن القصص، والأساطير، والخرافات، تحمل بشكل كبير بعدا تربويا يحفز جدا على الوعي. من جهة لأنها تفتح على الخيال، ومن جهة أخرى لأنها تطرح على الدوام سؤالا، موعظة، معنى يتوجب استكشافه، حقيقة يستلزم عيشها. تجعلنا أعمال الخيال في الوقت ذاته نحلم ونفكر من القيم ذاتها لحلمنا. لقد علمت مبكرا جدا، من خلال تجربتي كمدرس، أن حكي مثل هذه القصص مما يجب أن يدخل ضمن تخصصي المهني. واليوم، وفي المحاضرات التي أعطيها، أسرد “قصصا إيكولوجية” على طريقة الحكواتي. هناك خيال يتوجب استثماره لتفسير مثلا كيف تشتغل الطبيعة، ذلك النسق الذكي والغامض من التعالقات، والتي نادرا ما نشتبه في وجودها. على التربية الإيكولوجية أن تطور لدى الشباب، إلى جانب الفكر النقدي، حس الخيال والابداع. أنا ألح على الربط بين الاثنين. على الفكر النقدي، بشكل خاص، أن يتوجه صوب التكنولوجيات الجديدة ومجموع أدوات العوالم الافتراضية، حتى يتخذ الأطفال بعض المسافة نحو هذه الأشياء. وبدون هذه المسافة، يصبح من الصعب العمل على بثوق وتطور هذه القدرة التخييلية في حد ذاتها. يجب كذلك توجيه وتعبئة هذا الفكر النقدي نحو ما تقوله لنا وسائل الإعلام والشركات الكبرى. أن تقول “تربية” معناه أن تبث أو تعمل على أن تحفز على القدرة على “التمييز” لدى الطفل، في الابتدائي، والإعدادي، والثانوي. لكن هذه الوظيفة غالبا ما يتم اختزالها في إرسال المعرفة الجاهزة. التحدي بطبيعة الحال هو أهم اليوم وفي السنوات المقبلة منه في الفترة التي كنت أدرس خلالها (سنوات الأربعينيات).
سؤال: ألا تشكل هذه اليقظة المزدوجة، أعني القدرة في نفس الوقت على النقد وعلى الابداع، هي أيضا إحدى شروط الديموقراطية؟.
جواب: اليقظة مطلوبة بطبيعة الحال في الميدان التربوي. هنا تلتقي التربية والمواطنة. في هذا السياق، يظل الكتاب في نظري مهما جدا. الكتاب محفز قوي على الخيال. فنحن نخلق معه صورنا الخاصة. عندما نكون رفقة كتاب جيد، وليس فقط رفقة رواية، نستطيع أن نخلق أشكالا حميمية، وكذلك تلك القدرة على أن نتعاطف مع الموضوع. وبالنسبة للطبيعة يبدو لي الأمر أساسيا جدا.
سؤال: لنتناول الآن موضوع الفكر النقدي. ماذا يمكن أن تصبح عليه التربية على البيئة إذا لم تستند على الفكر النقدي؟.
جواب: لن يكون بناء التربية على البيئة خارج فكر نقدي سوى ترويضا، نزعة سلوكية مفروضة من فوق. أجد هذا المنظور – الحاضر للأسف في عدد كبير من المؤسسات المدرسية بل وحتى في المؤسسات التعليمية ذات المستوى العالي – قلت أجد هذا المنظور كارثيا. سوف أخذ مثالا عشته مؤخرا. قدمت عرضا في مدرسة عليا للمهندسين حول قضايا إيكولوجية مختلفة: التفاعلات الموجودة في قلب الحي (التفاعلات التي تجعل منه بنية موحدة ومتنوعة في الأن ذاته)، الأخطار التي تشكلها الأنشطة البشرية على التنوع الحيوي وعلى توازنات الأنساق البيئية (أنشطة كالصناعة الغذائية بتكنولوجيتها المدمرة للقواعد الجينية، والاختفاء المكثف للنحل)..الخ.. قدمت أيضا القيم الكبرى لمقاربة إيكولوجية، كالتضامن والإنصاف واحترام التنوع وجمال الطبيعة.. عادة بل وكثيرا ما تستقبل أقوالي بشكل جيد من طرف أولئك الذين ينصتون إلي، سواء كانوا منتخبين، مناضلين جمعويين، تلاميذ أو أباء. في ختام مداخلتي، تقدم نحوي بعض المهندسين وقالوا لي بأن ما قلته لم يعجبهم إطلاقا!. وعندما سألتهم عن السبب، أجابوني: “لم تقولوا لنا ما يتوجب علينا فعله!”. وعلى الفور أجبت قائلا: “ولكنكم في مدرسة عليا، أنتم مهندسون. تصورت أنكم تتوفرون على ما يكفي من الثقافة العامة لتقوموا بأنفسكم بترجمة أقوالي إلى أفعال”. اضطرت إلى الاعتقاد بأنهم دجنوا تماما بشكل جعلهم بلا أي فكر نقدي. كانوا ينتظرون مني أن أقدم لائحة بالأعمال الإيكولوجية التي يتوجب عليهم القيام بها على مستوى اليومي، كالترجل نحو بائع الخبز إذا كان يتواجد على بعد أقل من 500 متر!. لقد احتفظت بذكرى موجعة عن هذا اللقاء، كنت مصدوما: لم يسبق أن حدث لي مثل هذا الأمر. لم يكن لهؤلاء الطلبة أي تعاطف مع الموضوع الذي كان لكثير من تلاميذ ثانوية مهنية أو إعدادية.
كانت تنقصهم تلك الثقافة الواسعة التي تحدثت عنها للتو، والتي قلت بأنها ضرورية للإيكولوجي. ليس أكيدا – بل إني أعتقد العكس – بأن التكنولوجيات الجديدة للإعلام تساعد الشبان ومن هم أصغر سنا على تملك مثل هذه الثقافة البينتخصصية والعابرة للتخصصات. للأسف، لم نعد في زمن كنا ندرس فيه “الإنسانيات” في المدرسة. فباستعمال أي محرك بحث في الأنترنيت نتمكن من الوصول إلى أية معلومة نريد. أما العمل الثقافي الذي يتوجب القيام به من أجل العثور عليها، تملكها وتحويلها، والمجهود الذاتي من أجل القيام بالعمليات التركيبية، كل ذلك لم تعد له أية فائدة. سأغامر وأقول بأن الثقافة لا تصلح لأي شيء اليوم. لقد تركني رد فعل تلاميذ مدرسة المهندسين سالفي الذكر مشدوها. كنت مذهولا.. شعرت بالشيء ذاته في بعض الأقسام التحضيرية. يخضع هؤلاء التلاميذ لتدجين قوي عبر التجريد الرياضي، وكذلك عبر الحشو المكثف للدماغ بذريعة تحضيرهم حتى ينجحوا في مباراتهم.. وكل ذلك بلا ثقافة، بلا فكر نقدي.
ولكن ليست التربية والتربية على البيئة وحدها التي تخضع لهجوم هذا التدجين ولهذا الاختزال التقنوي، بل أيضا الإيكولوجيا بشكل عام. سوف أخذ، هنا أيضا، مثالا أخر أعيشه بشكل ملموس ويتعلق بنوع بشري جديد يغزو اليوم المجتمع والمقاولات والجماعات العمومية والجمعيات: إنهم الخبراء والمستشارون في التنمية المستدامة اللذين يتكاثرون كما تتكاثر الفطريات في شهر شتنبر مع سقوط المطر!. طلب مني رأيي كمهني مجرب حول خبيرين من هؤلاء. جاؤوا إلى منزلي في ميتز وتناقشنا طويلا. كانا فرحين بكونهما من خريجي المدارس العليا. كنت أود أن أعرف ما إذا كانوا على علم بأعمال معهدنا الأوروبي للإيكولوجيا. أجابوني بأنهم لا يعلمون أي شيء حول هذا الموضوع، ما عدا أن المعهد يهتم بالإيكولوجيا الحضرية. أكدت لهم فعلا بأن الإيكولوجيا الحضرية كانت إحدى اكتشافاتنا. وخلال نقاشنا، خلطوا بين الإيكولوجيا الحضرية والتنوع الحيوي، وهو مفهوم أدخله الإحيائي الإنجليزي نورمان مايرز وعممه البروفيسور إدوار أولسن، كما خلطوا بين الإيكولوجيا الحضرية والتنمية المستدامة، التي سيتم تسويقها إعلاميا خمسة عشرة سنة بعد ذلك من طرف وزيرة البيئة الدنمركية السابقة برونطلاند.. لم يكونوا يعلمون شيئا، أو تقريبا لا شيء، حول تاريخ الفكر الإيكولوجي، سواء كان علميا، اجتماعيا أو سياسيا. كانوا على علم فقط بالأنشطة البيئية المواطنة.. قلت لهم بأنه إذا كانوا سيشتغلون مع جماعات ترابية، في إطار مثلا “أجندة 21” (توصيات قمة الأرض في ريو بالبرازيل سنة 1992. المترجم)، مع منتخبين وإداريين، فعليهم أن يكونوا على بينة بالإنتظارات الحقيقية للناس. لا يمكن لعمل الإيكولوجي أن يكون تقنيا فقط، عليه، فضلا على ذلك، أن يكون حاملا لمعنى، ومرتبطا بقيم، وتحركه دوافع أخلاقية. أتذكر أن أحد “الخبيرين” أجابني: “أتعلمون أن التنمية المستدامة بالنسبة لنا هي أولا قضية منحنيات رياضية؟”.
سؤال: إننا هنا بعيدون جدا عن المعارف الإثنية التي تحدثت عنها والتي تنقل شفهيا وعبر القنوات التخييلية معرفة حقيقية حول الوسط البيئي.
جواب: بالفعل. إن أحد أكبر الأخطار التي تهدد بثوق التنمية المستدامة اليوم هو أن المقاربات الإيكولوجية والتربوية تمت تقننتها (من التقنية. المترجم) بالكامل بشكل أفقدها كل معنى.
سؤال: أليس للإيكولوجيين – وهم يلحون على إشكالية الأزمة والاستعجال الإيكولوجي – مسؤولية في هذا الوضع بسبب نزوعهم إلى جعل المدى القصير الأفق الوحيد للفعل؟.
جواب: أعتقد ذلك بشكل كامل. على كل حال، كان هذا هو معنى مداخلتي في إطار المناظرة الوطنية الشهيرة حول البيئة. لقد أحسست حقا بهذا التقزيم الزمني في هذه السيرورة من النقاش والتفاوض. ففي الوقت الذي كنت ألح فيه على التربية على البيئة، انتبهت تدريجيا إلى أن هذه الموضوعة كانت مهمشة تماما من المناظرة. كان للبعض الشجاعة لكي يشرح لي السبب: “هناك استعجال ! وبما أن هناك استعجال، فيتوجب على الفعل الإيكولوجي – على مستوى الراشدين أولا – أن يتنظم”. أما الأبعاد الثقافية والأخلاقية والتربوية والتخييلية فلم تكن حاضرة.
تجب الإشارة من جهة أخرى إلى ما يلي: إذا كان هناك استعجال يوجب الفعل، فالهدف هو تفادي الكارثة. إن الرابط بين الاستعجال الإيكولوجي والنزعة الكارثوية قوي جدا عند الكثيرين. والحال أن النزعة الكارثوية، كفكر وكسلوك هي.. كارثية!. لم يسبق لأي شيء في تاريخ البشرية أن سلط عليه ضوء الإعلام مثلما حصل مع قمة الأمم المتحدة حول المناخ، المنظمة في كوبنهاجن شهر شتنبر من عام 2009. على كل حال، لم يسبق لي أن عشت مثل هذه التعبئة الإعلامية والسياسية طيلة الستة وسبعين سنة التي هي عمري الأن (أي لحظة الحوار. توفي بلط بتاريخ 23/12/2015 وهو عند سن الثانية والثمانين. المترجم). وليلة اليوم الحاسم، كانت البشرية كلها تنتظر نهاية العالم.. ثم لم يحدث أي شيء !. أو، حتى أكون أكثر دقة، حدث أمران هامان: نهاية العالم لم تحدث غداة القمة، والإيكولوجيا تعرضت لتشنيع واسع في شرعيتها.
أما فيما يخص السياق الفرنسي فنحن نعاين تراجعا حقيقيا على مستوى القرارات الإيكولوجية، من مثل القرارات حول الطاقة الريحية، والضريبة على الكربون، والمبيدات.. لقد كنت على الدوام معارضا شرسا للتصور الكارثوي كأداة للتعبير عن الإيكولوجيا، والسبب أن ذلك يضر بالإيكولوجيا بشكل عميق. الاستعجال يحجب عمق النقاش.
سؤال: هناك شيء ما يشبه التناقض: ففي الوقت الذي تشكل فيه إعادة اكتشاف الزمن، أو سهم الزمن (يقصد بلط التقدم التصاعدي للزمن. المترجم)، والتطور، أحد مكتسبات الفكر العلمي المعاصر والإيكولوجيا، هناك بعض الإيكولوجيين ينزعون إلى إلغائه باسم الاستعجال.
جواب: عندما نكون في قلب النزعة الإيكولوجية الكارثوية، فإننا ننسى، بالفعل، سير الزمن، أي الدينامية الفعلية والواقعية للتطورات لنركز الانتباه حصريا على أمور آنية، على تواريخ أساسية. ومن ضمن هذه التواريخ شبه الأسطورية، هناك، مثلا، 2050. في تلك السنة سنكون قد وصلنا إلى نقطة اللاعودة فيما يخص استهلاك الطاقات الأحفورية أو التنوع الحيوي. زعم إيكولوجي معروف جدا، في إطار برنامج تلفزي، بأن ما يقارب 50% من الأنواع ستندثر من الآن إلى غاية 2050. المشكل أن هذا ليس صحيحا، ما عدا، بطبيعة الحال، إذا ما حدثت كارثة بشعة، من مثل كارثة نووية. يمكن أن نقول كل شيء، بل وحتى أي شيء، بخصوص هذا التاريخ، لأننا لا نتوفر على الأدلة على “تنبؤاتنا”. البعض يقومون بتوقعات حول 2100 !. هناك بعد دينامي، هو بعد التكيف والتحول، داخل الطبيعة وداخل الوسط البيئي، فضلا على أن الحي معقد وغير قابل للتوقع، إلى درجة أنه لا يمكننا أن نتحدث إلا عن عموميات.
سؤال: ما هي المسائل والإشكاليات السوسيوإيكولوجية التي تبدو لك حساسة اليوم؟.
جواب: هناك مسألة تبدو لي مهمة تم “نسيانها” في المناظرة. يتعلق الأمر بالنووي. الرئيس نيكولا ساركوزي هو بلا شك أحد الرؤساء الأكثر دفاعا عن النووي. تبيع فرنسا محطات نووية بلا أدنى نقاش ديموقراطي. للأسف، وإذا ما استثنينا مجموعة من المنظمات والجمعيات، من مثل “شبكة الخروج من النووي”، فإن كثيرا من الإيكولوجيين لم يدافعوا عن الموقف المتمثل في البحث عن بديل حقيقي للنووي. إن حفدة حفدتنا قد يقولون سنة 2100: “لقد أفسد أجدادنا المناخ والطقس وأضر آباؤنا بالأرض عينها”. والسبب هو أن انتشار النووي فوق مجموع سطح الأرض سيعمم نسبا مهمة من الإشعاعات ستنضاف إلى النفايات المتولدة عن مناجم اليورانيوم ومحطاتنا وتجهيزاتنا. قام أحد أصدقائي بإخراج برنامج وثائقي حول هذا الموضوع، وما قاله لي لا يمكن في المطلق تصديقه، بل انه رهيب. لازال منجم قديم لليورانيوم بالغابون، تم مع ذلك إغلاقه منذ خمسة وعشرين سنة، يصيب بالسرطان الذي يقتل الناس. وبما أننا في منطق الاستعجال، فإن هذا الأمر يبدو لي خطيرا الآن مثله مثل مسألة المناخ.
هناك إشكالية أخرى تتعلق بقرصنة المعرفة البيولوجية التي هي ظاهرة خطيرة، وللأسف غير معروفة إلا بشكل هامشي جدا. يتعلق الأمر ببساطة بسرقة شركة، غالبا ما تكون شركة متعدية الجنسيات، لمعرفة حول الطبيعة، وبشكل خاص حول العالم النباتي، معرفة هي في طريقها إلى الانقراض، من أجل تحقيق أكثر ما يمكن من الأرباح. بطبيعة الحال، لا يتم توجيه هذا الربح الضخم لمن يمتلكون المعرفة الأصلية. والمعرفة حول الأعشاب الطبية هي التي يتم نهبها في الغالب. إن هذه الشركات واعية بأن الشعوب الأصلية في إفريقيا وأسيا وأمريكا الجنوبية والعالم العربي وأوقيانوسيا تتوفر على معرفة كبيرة جدا حول الحي، معرفة تتساوى في القيمة بشكل كبير جدا مع المعارف العلمية للغربيين. ولقد تشرفت، في سياق مهمة علمية في الميدان، سنة 1971، في بلاد البنين، على شاطئ البحر، بلقاء أحد حراس المعارف الإثنية. لن أنساه أبدا. كان معالجا تقليديا، مشهورا جدا في طب الفودو ، بحظوة عالية في هذا الفن. قضينا يوما كاملا في الحديث عن النباتات واستعمالاتها الطبية. كنت ملزما بأن أقبل، بكل شرف، بأنه كان يعرف من الأمور أكثر مني، في الوقت الذي كنت أتوفر فيه على شهادة التبريز في الصيدلة منذ 10 سنوات. كنت مبهورا جدا بالعلم الذي كان للرجل، وكان إعجابي كبيرا بقدر ما أنه كان يصل إلى المعرفة عن طريق نباتات نسميها نحن على نحو سخيف “نباتات مهلوسة”، من مثل نبتة الديداء. إن قراصنة الحي، حتى أعود إلى السؤال، هم أولئك الذين يذهبون لسرقة معارف مثل هذا الشخص، من أجل صناعة منتوجات تجميلية أو أدوية، بدون أن يعود أي شيء من كل هذا إلى الشخص المذكور. تجب الإشارة إلى أن سرقة المعرفة حول الحي تتمثل، تقنيا، في تقديم براءة اختراع حول “اكتشاف” يخص جينة خاصة، هي التي تعطي للنبتة هذه الخاصية أو تلك. كثير جدا من العلماء والبيولوجيين وعلماء الجينات يساهمون في مسار نهب الثقافات الأصلية. هناك استهتار كبير من لدنهم..
في معهدنا الأوروبي للإيكولوجيا كان لنا تصرف مختلف تماما. اشتغل زميلي جاك فلورونطان كثيرا مع معالجين تقليديين. كنا نتحقق من التأثيرات التي كان يشار علينا بها حول نباتات عديدة باستعمال أدوات علمية حديثة. لقد لاحظنا في الغالبية الساحقة للحالات وجود تطابق بين المعارف الإثنية ومعارفنا العلمية. ثم قمنا بعكس معرفتنا الخاصة للمعالجين التقليديين حتى نطمئنهم وندعمهم ونبين لهم بأن علم الحداثة ومعرفتهم التقليدية متساوقان.
سؤال: لماذا قلت بأن هذه المعارف التقليدية هي في طريقها نحو الاندثار؟.
جواب: لأن هذا هو الواقع ولأن اختفاء هذه المعارف التقليدية يشكل جزءا من الأزمة الإيكولوجية. إن المعارف التقليدية هي في طريقها إلى الاندثار لأن العالم كله يتم إغراقه ب”ثقافة سفلى” أمريكية. في أقصى المناطق في بلدان الجنوب التي تمكنت من الوصول إليها صحبة جاك فلورونطان كنا نرى شبابا بترانزيستور في اليد، أو بجهاز استماع في الأذن. والحال أن هذه “الثقافة السفلى” تشطب على كل الثقافات البشرية الأخرى، وبشكل خاص على ثقافات الشعوب الأصلية. ومع هذا الإغراق “الثقافي السفلي”، يشعر الشاب الأصلي بأن والده شخص مجنون، بليد أو متخلف. هناك قطيعة في تمرير المعارف. نلاحظ ذلك مثلا لدى شعب الإنويت (الشمال الكندي. المترجم ) حيث نعاين معدلات مرتفعة من الانتحار. للأسف لقد تضخمت هذه الظاهرة الكوكبية منذ عشر سنوات وبدأنا نرى مع هذا التغريب للعالم انبعاث “ثقافة سفلى عالمية”.
تساهم العولمة في الرفع من حدة هذا المسار ذي الجوهر الأنكلوسكسوني. بهذا المعنى، يمكن أن نربط بين الاعتداءات على التنوع الحيوي البيئي والاعتداءات على التنوع الثقافي. أسر لي صديق يعمل مسؤولا عن صيانة اللغات بمنظمة اليونسكو بأن هناك، فوق الأرض، في هذه اللحظة التي نتكلم فيها، ما يقارب الستة ألاف لغة، وأن هذا الرقم سينخفض في غضون عشر سنوات.. إن العولمة، التي انتظرنا منها أن تدفع نحو الأمام بفكرة وعي كوكبي، لا تساعد على الرفع من شأن الممكنات الثقافية والإيكولوجية للمجالات الترابية محليا ووطنيا..
سؤال: بالنسبة للأغلبية الساحقة لشعوب العالم لا يمكن فصل الثقافة عن معنى المقدس. التنوع الثقافي هو أيضا تنوع روحي. يشكل الحوار بين الروحانيات والإيكولوجيا فرصة جيدة حتى يمكن لهذه الأخيرة أن تنفتح بشكل فعلي على التنوع الانساني وعلى تنوع متخيلات المجتمعات؟.
جواب: يتعلق الأمر بطبيعة الحال بفرصة نادرة بالنسبة للتنوع. إلا أن هذا الحوار بين الإيكولوجيا والروحانيات هو وجيه أيضا لسبب أخر. أنا متيقن بأن الرابط، الزواج بين جمال الطبيعة – الطبيعة التي يمكن أن تكون لها مظاهر بشعة – وجمال الابداعات الروحية الكبرى للبشرية، هو ما يمثل الطريق صوب السعادة. إنها أيضا وسيلة لدحض المثل الشعبي الذي يقول بأن المال يصنع السعادة. يمكننا أن نلاحظ، وعلى كثير من المستويات، بأن العولمة تقبح العالم، تنزع عنه سحره وتفقره. يبدو لي من المهم جدا أن ندير ظهورنا، فيما يخص الإيكولوجيا، لباب الدخول المسمى “كارثة”. هناك لحسن الحظ أبواب أخرى، ك “الجمال”، و”التأمل”، و”التجربة الداخلية”، و”المعرفة”.. علينا أن نعثر من جديد على تلك الحقيقة التي حجبتها المسيحية منذ النهضة. كانت هذه الحقيقة تقول بأن هناك طريقين من أجل الوصول إلى الإلاهي: الإنجيل بطبيعة الحال، والكتاب الكبير للطبيعة، للخلق، لأنه يكشف عن جمال الخالق. جاءنا هذا الكتاب الثاني أيضا من الإغريق، الذين كانوا يلحون بشكل كبير جدا، في فلسفتهم كما في فنهم، على الجمال. في المسيحية الشرقية، المسيحية الأرثودوكسية، تعتبر هذه العلاقة بين الجمال والطبيعة والإلاهي أساسية. في الغرب، ومنذ 500 سنة، أدرنا الظهر بشكل كامل لهذا الرابط. نزع (بضم النون) عن الطبيعة طابعها المقدس، كما نزع عنها سحرها مع الرأسمالية ومع العلم ذي النزوع التقنوي. أصبحت الطبيعة مجرد مادة يمكن استثمارها، ليس فقط بوصفنا كمستعملين، ولكن أيضا كمستغلين. وللأسف ليس الجمال هو ما يشغل العالم الحالي !. وإذا كنا نريد أن نتفادى أن تتحول إيكولوجيتنا إلى خطاب تقني فائق، فعلينا أن نصر في المثابرة والجهد حتى نعثر مجددا على معنى جمال الطبيعة.
