الرئيسية » أخبار الساعة » أيت الزين يكتب : الفَلْسفَةُ شغفاً بالحيَاة.. مُصْطفَى لعْريصَة وجماليّات التّنوير

أيت الزين يكتب : الفَلْسفَةُ شغفاً بالحيَاة.. مُصْطفَى لعْريصَة وجماليّات التّنوير

لفور تنمية:  عبد الواحد ايت الزين، باحث في الفلسفة والفكر المعاصر، المغرب

“ليْسَ الفلاسفَة مجرّد أسمَاء علَى أغلفَة الكتُب،
بل هُم نبرَات صوْت، وأساليبُ نظَر، وطَرائِق
في التصَرّف وحَنْي الرّأس والمُصافحَة.
إنّ الفلاسفَة أنماطُ عيْشٍ”؛
روجيه بول دروا
“ومَاذَا لَو كَانَت الكِتَابَة بِالضّبْط هِيَ أَن تُخْطِئ اللّغَة؟”؛
كيليطُو

 

   ثمّة تجَارب في الحيَاة لا تقَال. إنّها تعاش فحسب. تَفْقدُ اللّغة لسانَها الخاصّ أمامَ التجارب تلْك؛ فَتبدُو “خرسَاء” عاجزَة عن الكلاَم. ليسَت اللغة مأوى الوجُود، لأنّ الوُجود الحيّ حينَ يتّخذُ منَ اللغَة جسراً للحضُور والعُبور، يتحوّل إلَى “وُجود ميّت” وليست المفاهيم والمقولات واللغة سوى تَابُوت دفنِه. الوجُود وتجَاربُه أرحَب وأعظَم من أيّ “لغَة” تزعُم قولَه وبيانهُ. إنّه ما يتعذّر تصوّرُه، لأنّه “حياة منسابَة” لا قبَل لأيّ “نظَام لغويّ” باختصَارِهَا. لعلّنا لا نجنَي أحياناً في تجَاربنا الشخصيّة والجماعيّة سوَى ثمَار إخفَاقاتنَا اللغويّة حيَن تَوَهُّم أنّهَا منقذُنا من “العدَم”، فيظهَر وكأنّنا لا نُولَد إلاّ حيْث نبدَأ بممارسَة اللغَة (في واسِع دلالاتهَا). إنّ غنَى اللّغة، ينقلِب فقراً شَديداً، حين يُحاوِل ولُوج بَعض التّجَارب العصيّة والقصيّة، فقد لا نجِد في ألْواحهَا ما يسعِف على قوْل “شعُور” قد يكُون وقتيّاً، مثلمَا قد تستسلمُ حياءً أمام إرادَة ترجمَة “تجربَة فريدَة” ما. كلّما اتسعَت الرّؤيَة واتّضحَت في بعض الأحيَان، تضيقُ العبَارَة بما يُخال أّنهَا به رحبَة. نعيشُ “تأتأَة عجيبَة” في لحظَات الشّعُور بالحاجَة إلى الإفصَاح عمّا يبلُغ درجَة من الاتّضاح القصيّ الذِي يعاشُ وجدانيّاً مثلمَا هيَ حالُ تجَاربُ العشْق، والوجَع، والصّداقَة، والفَرَح، والامْتنَان، والاعترَاف أيضاً.

   إنّنا، ونَحن نسعَى إلَى تقَاسُم تجربَة تعلّم وتَعليم عاشقَة، نَشعُر في أعماقنَا بـ “حُدود اللّغَة”، أو علَى الأقلّ ارتبَاكنَا أمامهَا لقوْل “تجربَة” عشْناهَا؛ وكنّا كلّما استعدْنَاهَا عشنَاهَا ثانيّة كـ “ذكرَى خالدَة”. قلّما فكّرنَا في “حَكْي” تَجربَة بمثل هذا الحضُور والغنَى، لأنّنا لطالمَا خلْنَا أنّها ضَرب ممّا “يُعاش” و”لا يُنقَال”. إنّنا، ونَحنُ نُحاولُ كتابَة بعضٍ ممّا وسمَها، يتملّكُنا شُعُور بأنّنا “قتلَة”، يحُاولُون الإيقَاع بـ “طريدَة” واقتيّادهَا إلَى “فخّ نهايتهَا”. وليْس الفخّ ذاك إلاّ “اللغَة” عينُها، فهلاّ كانَت هي ذاتُها “فُلْك نُوح” أمَام عاصفَة إرادَة قَول ما ظلّ يحضُر أمامنَا علَى شَكل “المُستحيل قولُه”؟ نُفكّر في ارتباكنَا، ومقاوماتنَا المتكرّرة للهرُوب من “القَول” -وكأنّ “الكلمَة” شهَادَة وفَاة للمُراد قولُه- نُفكّر في ذلكَ، ونَستحضِر أمامنَا أساساً تجربَة فُوكو في “نظَام الخطَاب”، وهو يغالِب “الكلمَات” تقديراً للصّوت الذي حملَه على “الكلاَم” (هيبوليت)، نَستحضِرُ هايدغر وهو يتكلّمُ عَن الملحّن كونرادين كروتزر، ويُحوّل كلمتَه إلَى تفكير عميق في معنَى التفكير نفسه. نَستحضِر ذلك، ونَحنُ نسعَى إلى تحويل “تجربَة معيشَ” إلَى “قَول”، فلا نَدري إلَى أيْن ستقودُنا “الكلمَات” و”الأفكَار”؟ وأيّ المرافئ سَيرسُو عَليْهَا خوْض هذه المغامرَة؟

   يستضمِر الحديثُ عنْ مُصطفَى لعريصَة، شُعوراً أنّنا أمامَ حُضورٍ أصيلٍ لشخصيّة فكريّة متعدّدة المشَارب والمصَادر والاهتمَامَات، ويكشِف هذا الحضُور العلميّ العمليّ عن هذا الثراء والتعدّد، فهوَ، وإن كانَ مُتخصّصاً في الفكْر المُعاصِر، فإنّ ذلك لم يمنَع من أن يقدّم “دروساً” فارقَة في الفكر الإغريقيّ، والفكر الحَديث. وهو إن كانَ قد صرَف جزءاً من عمرِه صحبَة متُون فوكُو بشَأن اللّغة والخطَاب والسلطَة والمعرفة، فإنّه كثيراً ما كانَ يُدهشُنا حينَ يستدعِي إلَى “مراكُش” سقراط، وأفلاطون، وأبيقور، وجون بيكو دولاميراندول، وميكيافيلي، وهوبز، وديكارت، ولوك، وكانط، وبومغارتن، وهيغل، ونتشه، وهايدغر وغيرهم. لم يكُن “التخصّص” عند لعريصَة انغلاقاً علَى لحظَة فكريّة بعينهَا، بل كان التخصّص عندهُ تكئَة منهجيّة ومعرفيّة للتفسّح في تاريخ الفكْر ومدُنه في أقاصيهمَا. لا شكّ أن الفلسفَة المعاصرَة كانت “نقطَة أرخميدس” لـ “دُروس” و”محاضرات” مصطفى لعريصَة، فكانَت قراءَة شذرات هيراقليط وبارمنيدس مسكونَة بروح نيتشه وهايدغر، وكانَت مطالعَة محاورات سقراط وأفلاطون ملقّمَة بفوكو ودريدا وغيرهما، والأمر نفسه بالنسبَة لباقي اللحظات الفلسفية الأخرى. لا يُشعرُك لعريصَة أن تاريخ الفلسفَة جزر معزلة عن بعضهَا، مثلما لا يشعرك أن تاريخ الفلسفة مُستقلّ عن تاريخ السياسة، والفن، والأدب، والاقتصاد، والتاريخ نفسه. كان هذا المتعدّد يصير “كلاّ فكريّاً وحضاريّاً”، يَمثُل أمامنَا وكأننَا امتدَاد له، أو على الأقل فينَا ما منْه، كمَا فِيه بَعضُ مَا مِنّا. إنّ هذه الإذابَة المدهشَة لتَاريخ الأفكَار، وردّها إلى جملَة “إشكالاَت أساسيّة” تسمَح بفهْم منطقِهَا، يُوقفُنا على اقتدَار فلسفيّ ومنهجيّ استثنائيّ، وفي ذلكَ فتنَة “دروس” مصطفَى لعريصَة وغوايتُها. في حضرَة لعريصَة، تتفتّت الأزمنَة وتتلاشَى “الحُدود” بينهَا، فتنفُخ كلماته الرّوح في “زمَن الفكْر” بوصفِه زمناً إشكاليّاً ومفهوميّاً وليس مجرّد “زمَن تاريخيّ” خطّي. بهذا المعنى، كانَت الفلسفَة معه سَفراً وترحالاً حيويّاً في عَوالِم الفكْر والجَمَال، وعَلى ضِفَاف العَوالِم تلك نمَا شغفُنا بالسؤال والإشكَال، فليسَت الفلسفَة عنده سياسَة إتقَان للأجوبَة، ولكنّها سياسَة ابتكَار خلاّق للأسئلَة الأصيلَة.

   ما الذِي نُعَلّمُه حقّاً في مدَارسنَا وجامعاتنَا؟ أو بالأحرَى، ما الذي حريٌّ بنَا تعلّمه ولا نتعلّمه؟ لا شكّ أنّ ثمّة “ثقافَة” و”مَعلُومَات”، ومقرّرات وكرّاسات، لكن هل تمّ إمدَاد مُرتادِي هذه المدَارس والجَامعَات بأدوَات المعرفَة؟ و صَار مجتمعُنا في “صحّة تربويّة ومعرفيّة جيّدَة”، هل تخلّص “إنسانُنا” و”مُجتمعاتُنا” من أَعْطابهمَا المستعصيّة؟ لقد صَرفنا أعماراً من زمننا السياسيّ والتربويّ فِي ثقافَة الشّحْن والشّحْذ والملْء، ولَم يُنَتبِه بعْد إلَى الجوهريّ الذِي ينبغي التوجّه إلى العنايَة به: تَعلّم المعرفَة، وتعلّم فنّ العيْش. إنّنا في عصْر فقَد قدرتَه على المعرفَة، فأمْسَت عندَه مجرّد “معلُومَات” و”ثقافَة”، والحالُ أنّها، وإنْ كانَ فيهَا بَعْضٌ من هذَا، فإنّهَا أَسمَى مِن ذلكَ بكَثير، وفِي الآن عيْنِه، فَإنّنا بتْنَا في عالَم فَقَد قُدرتَه علَى “العَيْش”، فَصَار العيشُ عنده “مجرّد حيَاة” وحَسْب، والحالُ أنه وإن كان فيه بعضٌ من هذا، فإنّه أوسع من ذلك بكثير.

 يقْترن تعلّم المعرفَة وفنّ العَيش بصنوٍ لهُما هُو: فَنّ السؤَال، وليس حالُه بأفضل من حالِ سابقَيْه. يصطدمُ كلّهُم (تعلّم الَمعرفَة، وفنّ العيش، وفنّ السّؤال) بالكَثير من المَصاعِب والعقبَات لعلّ أبرزَها أنّنا في ثقافَة يتربّع على عرشها: الموْت واليقينُ: فكأننا فيها لم نوجَد لنحيَا وإنّما لنمُوت في حياتنا أولاّ، و-ثانياً- السؤال فيهَا مهلَكة والجوَاب (اليقينُ نفسُه) سكينَة. من ثمّة الأهميّة البالغَة للرّهان علىَ قلْب هذا اليَقين والموْت ليَصِير شكّاً يافعاً وحياة مفعمَة بالسؤال، كمَا أفصحَت عَن ذلك عَديد محاضرات مُصطفى لعريصَة ومُداخلاتهِ.

   كانَ مصطفى لعريصة أوّل من فَتحنَا عَلَى مَعنى أَن تَكُون الفَلسَفَة ورشاً جَمَاليّاً مَفتوحاً لـ “تعلّم” فَنّ التفْكير وفَنّ العَيش. هُو مُعلّمنَا الأوّل فَنّ التَأدّب أمَام جَللِ الفَلسَفَة وأَسئلتِها الخَالدَة. كثيراً ما يَحضُر أمامِي متساوقاً مع قوْل شَهير مفادُه أنّ: “الإنسَان هو الأسلُوب” (جُورج بوفُون)، ولقد كان لعريصَة بحقّ أُسْلوباً مُتفرّداً فِي التفَلسُف، وبأُسلُوبه المرِح ذَاك أَيقظَ فينَا مَا أمَاتته ثقافة اليقين، ووجبات الناجز والجاهِز. كانَت المتْعَة عندَه والمرَح جواز عبُور منهُ إليْنَا، هو الأسلُوب ذاك الذِي استقرّ فينَا، حتّى كان هَادينَا ونَحنُ نمارسُ التعليم والفلسفَة. ما كانَ مُصطفى لعريصَة مُجرد “أُستاذ محاضر”، كان أكبر من ذلك، أو لنقُل إنّه كان أُستاذاً كبيراَ بالمعنى الأصيل  لـ “الأستاذية”، التي تحفر عميقا في كينونة الماثلين في حضرتها، فلا تنفصل عنهم إلا بعد أن تصلهم بأنفسهم بوصفهم منذورون للحياة والفكر. في حضرة لعريصة يتعلم الإنسان معنى اندغام الفكر والحياة، ووَهْم تَصوّرهما كإقامتين وجوديتين منفصلتين. كلما ألقى فينا “محاضرة”، التهمت منا مساحات زمنية تفوق زمنَها الخَاصّ، فقَد كانَت المناقشات الطّلاّبيّة التي تعقبها والقراءات المفتوحَة التي تستتبعها أثَراً ممتدّاً ملازِماً لهَا. نَادراَ ما كان يفلت أحد من لسعة ما ينثره لعريصة أمامنا من بذور إشكالات فلسفية وحياتية. وقلّما خلَت لحظات جلوسنا أمامه من طرائِف ونوادر؛ كانَت أشبَه بـ “نزهَة خفيفَة” في مسَار أسفَار طويلَة نعيشُها بكلّ ما فيهَا من متعَة، واكتشَاف. الفلسفة عنْد لعريصة مغامرَة في “دروب” قَد لا تؤديّ إلى أيّ مكَان أحياناً. لا نفقِد أنفسنَا في هذه الدّروب إلاّ لنلتقيهَا وهيَ ماسكَة بربقَة السؤال وإرباكاتِه المثيرَة.

إنّ السّؤَال الفلْسفي، مثلما تعلّمنا آدابه مع مصطفى لعريصة لا يأتي إلاّ نَتيجَة جَهْد وتعَبِ تَفْكِير في مقاومَة “سكينَة اليقين”، وإِلاّ فإنّهُ “حَدسُ طِفْل” لَم يُخصِه “الأَب” (العَادَة، الثّقَافَة، القَبيلَة…إلخ) بَعْدُ. لَيسَ السّؤَالُ الفَلسفيّ –والسّؤالُ فِي الفَلسفَة- بدَايَة البَحث، بَل يكَاد يَكون نَتيجَة الْتحَام مُتعِب بهَمّ وُجودِيّ مَا. مِن هُنا، فَإنّنا، نُخْطِئُ الطّريقَ إلَى الفَلسفَة، حينَ الظَنّ فِي “بَداهَة السّؤَال” فيهَا، ويُسْرِ اللّقَاء بهِ فِي رِحَابِها. بِهَذا المَعْنَى، تَكادُ الفلْسفَة عند مصطفى لعريصَة لاَ تَكُون مجرّد “سؤَال”، وهيَ أيضاً ليست مجرّد تَحويل لـ “السؤال” إلَى إشكاليّة، وإنّما هيَ، في آخر المطَاف، وبحَسَب سابِق تلْميحَاتنَا، اقتِدار كما قلْنا علَى ابتكَار الأَسئِلَة، وجَهد فِي سَبيلِ التحَرّر مِن “الأَسئلَة (والأجْوبَة) المَألُوفَة”، للْوُقُوف عنْد مَا تَحجبُهُ مِن إشْكالاَت مقْلقَة: هكذَا كنّا نعيشَ متعَة “ولادَة السّؤال” مع مصطفَى لعريصَة، دون أن نضجَر من تلْك “الصّحبَة” التي تقذفُ بنَا في “المجهُول”، وتزجّ بنَا في متاهات القلق والارتياب. لَم يكُن يتعَب في الحَديث عن سقرَاط وفنّه في تَوليد السّؤال، بل كَان يُنجِز هذه التّمارين السقراطيّة أمامنا: معنَا وفينَا. كانَ “المدرّج الفسيح” ساحَة واسعَة لتعلّم الفَرق الذِي ذكرَه هايدغر بيْن “أن نتحدّث عن….”، و”أن نفكّر في…”، لأنّه انتبَه إلى أنّ “الأمر الأكثَر استدعاءً للتفكير، هو أنّنا لا نفكّر بعْدُ” من جهة، وأن “امتلاكَ معلومَات وثقافَة” -ولتكُن المعلومات والثقافة تلْك فلسفيّة- ليس معناه امتلاك المعرفة وأدواتها، ولا معناها تملّك كيفيّات التفكير وطرائقِه من جهة ثانية. إنّ الاطّلاعَ على معلومَات وفيرَة في فنّ النّحْت أو النجَارة، لا يجعَل من الإنسَان نحّاتاً مبدعاً ولا نجّاراً حَذقاً. لا بديل عن تعلّم النحت والنّجارَة إلاّ بامتلاَك الإزميل والمبرد والبرغيّ واقتحَام الورشَة وممارسَة الحرفَة بكلّ ما في الإنسَان من شغَف وعشْق، وكذلكُم هي حرفَة الفلْسفَة لا تعطَى (لا تُوهَب دائماً) وإنّما تُبنَى بالممارَسة الحرّة والعاشقَة للتفكير. فـ “أن تعلّم هو أن توقِد ناراً، وليْس أن تملأَ إناءً” (مونتيني).

   إنّنا لم نكُن نتعلّم في “ورشَة لعريصَة” “مَعْلُومَات” في الفلسفَة والتاريخ، وإنّما كنّا نُستدرَج إلى ممارسَة حرّة لفعْل التّفكِير والاستشكَال. لا يُشعرُك مصطفَى لعريصَة –وكما هو سقراط في علاقته بتلامذته- سوَى بأنّ “الجهْل” سيّد المعَارِف كلّها، لا يتقدّم إليْك سوَى ليقاسمَك معرفَته الخاصّة بما يجهلُه –وليْس بما يعرفُه- كان القلَق، والشك، والعشق، والحيَاة أرضه الواسعَة التي يسّر لنَا سبُل الإقامَة في قِبَبهَا المرصّعَة بزرقَة السّماء. وفي هذه الإقامة الفسيحَة، يكتشِف الإنسان جهلَه الخاص، وهو الجَهل الذي كان حافزَنا الأوّل للإقبَال الشّغُوف على القراءَة، وتَحريك دواخلنا للقَاء أسئلتنَا الطّفوليّة الموؤودَة؛ التي بذنِب “الولادَة” قتلَت!

   ما كانَت محاضرَات لعريصَة مجرّد “أحاديث منبريّة” عَن فلاسفَة وفلْسفَات، بقَدر ما كان هؤلاء الفلاسفَة وتلْك الفلسفَات جُسور عبُور لمَا هوَ أجلُّ وأسمَى: تعلّم فنّ السّؤال. لطالَما كانَت تلْك اللحظَات التي نلْتقِي بهَا مع مصطفى لعريصَة بمثابَة فجوَة للانكشاف الأصيل والظّهور الحرّ أمام الذات والعالَم. كانَ لعريصَة يطبّق “الوصيّة” السقراطيّة والهايدغيريّة بحذافيرها: أن نتفلسف معناه أن ننكشِف، ونلتقِي مع الوُجُود والحَيَاة في عُريِهما الأَوّل؛ ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بتحريرِهَا –وتحرير أنفسنَا أيضاً- ممّا يحجبُهما من إرادَات متسلّطَة (ثقافَة، جاهِز، مسبقَات…إلخ).

   كنّا صُحبتَهُ في “ورشَة جماليّة” مفتوحَة علَى عالَم المُمكن. ونَحن معه كنّا نَنْحَت هُويّات جَديدَة ومتجدّدة لنا دون الانتبَاه إلى ذلِك، وحينَ صاح يومَاً: “إن الهويّة تشكّل وتشكيل دائميْن” كنَا قَد عشنَا “الدّرس” قبْل أن نسمعَه، ففهمْنَا معنَى “حُدود الجوهرانيّات” أنّى كانَت مرجعيّاتُها ومسوّغاتُها: ثقافيّة، دينيّة، فلسفيّة وغيرها. كانَت الحيَاة والتّفكير النّافذَة الأُولَى التي نُطلّ من خلالهَا على ما يجري في التاريخ وما يطبَع إشكالاته ومفاهيمه من تحوّلات ومنعطفَات، لم يكُن مُصطفى لعريصة يتقدّم إلينا بـِ “دروس تاريخيّة” جافّة، وإنّما كان يشعرُنا أننا شُرَكَاء (فِعليّون) في بنَاء الفِكْر ومِعْمَاريّاتِه، ومثلما هي حالُ النّحت والنجَارة، فإنّ الفكْر بوصفِه رقصاً بهيجاً، لا سبيلَ إلَى إتقانِه إلاّ بانخرَاط حرّ وحيويّ فِي مدُن السّؤال ومعاينَة أحوالهَا وأهوالهَا. لا تعاليم عنْد لعريصَة لاتبّاعها، وإنّما كلّ ما هنالك طاقَة خلاّقَة تدفَع المرء إلَى اكتشَاف أعمَق وأسمَى ما فيه…

    لَقَد يَهدِر الإنسَان طاقَته وجُهدَه مُطَارِداً “خيْط دخّان”: سُؤالاً زَائفاً لَم يُحْسِن بنَاءَه، لَكِنّ تشْييد سؤال-إشْكاليّة، عَبرَ كَشْفِ مَا يمْكِن أَن تَنتصِب الأسْئلَة المُعْتَادَةُ دونَهُ، يمُرّ من خلال “جُهْد سيزيفيّ” يَتكلّلُ بالانتبَاه إلَى ما لاَ يَراه المُبْصِرُون، فيتلقّفُه المتَبصّرُون. ومن لوازِم عدّة تلقّف الذّات لما هو جَدير بالتفكير والسّؤال، الوُقُوف ضدّ الذّات نَفسهَا ومَا تسْتطيبُه وتَسْتهْويهِ من اقْتنَاعَات وتَسَاؤلاَت لَصيقَة بهَا. كَان اللّقَاء مَع الذّات عنْد مُصطَفى لعريصَة، وفِي حَضرَة نُصُوص نيتشه، يَمرّ عبْر الرّجوع إلَيها والصّراع مَعَهَا، كمَا كانَ يقُول وهو يملأ بيَاضَات شذَر نيتشْه.

   السّفر فِي الذّات وإلَيهَا والسّفَر في تَاريخ الأفكَار والعالَم صِنْوَان لا يفترقَان. لا شكّ أن هذا الضّرب من السّفر، شَبيه بالسفّر في دروب السؤال متعب وشاقٌّ، لكن ربّ “لحظات فلسفيّة” تكُون أشبَه بـ “الدّايمُون الإغريقيّ (روحٌ دليلٌ)” الذي تَنزِل علَى جبالِه العاليّة لتستطيع الرؤيَة أبْعد ممّا هو متَاحٌ أمامَك، ربّ هيَ أسفَار تقُودُك إلَى ذاتِك فتنكَشف أمامَك كما لم تعرفْهَا من قبْلُ. كانت السّماء (الدّايمُون) بوابتنا الروحيّة لاكتشَاف بعدنا الأرضيّ. كثيراً ما نشعُر بأننا صُحبَة أرْواح لطيفَة نُراوح بعرباتهَا مَعَارج السّماء لنقِف على سمُوّ الانتمَاء إلَى الأَرضِ، أي الانتماء إلى ذواتنا أوّلاً وأخيراً. وربّ هي المُراوحَة التِي تنتهِي بكَ إلى تعلّم معنَى أن تَكون الحيَاة “يودايمُونيا (بهجَة/فرَح)” “وتراجيديَا”، جَديرَة بأن تعاش بما فيها: حياة أوديبيّة، تعلّمُك طرائق عيش القَدر وحبّه  (Amor Fati)، لا هي خَيْر ولا هي شَرّ، لا هي مَأسَاة ولاَ هي مَلهَاة إنّها حَيَاة وكفَى.

   لمْ تُفارِق مَوضُوعة الذّات والحيَاة والانهمَام بهما “دُروس لعريصَة” ولقَد تَكُون مركَز مداراته كلّها، وليس خفيّاً أن سياقنا العربيّ والإسلاميّ ليس بالذات رحيماً ولا هو بالحيَاة عَطُوف، فكلاهُما فيه وعندَه ليسَا إلاّ قناطرَ مُرور إلى قِيّامةِ آخرَةٍ: تنتهي بإنجَاز وعْدٍ لا بدايَة له. لَم تَنْمُ في سيّاقنَا هذا فلسفَات ذات وحيَاة، وإن لم نعدِم بعْض شتلاَت لهَا، لكنّها لم تَجد العناية اللازمة لتعهّد نموّها، فبقيّت حيث كانت ونشأت: شتلات صامدَة، لكنّها متوارية لا ثمَار لها، بعْد أن غطّتها أشجار “زقّوم” لا حَيَاة فيها. الذّات والحيَاة مركَب لعريصَة لبَدءٍ تنويريٍّ عربيٍّ جَهيضٍ، والتنوير بالتّعريف هو الجُرأة على استِخْدام العقْل الخَاص، وتَملّك القُدرة على الخرُوج من وضع الحجر والوصايَة، الذي يرسخُه جبْن الفرْد وكسَلِه وعُزوفِه عن استخدام عقله. التنوير في مقَام لعريصَة حرّية والتذَاذ باستقلاليّة الذّات وجمَالياتهَا. إنّه مسَار من السّعْي الذاتيّ نَحو اختبَار قدرَة الذات على تحمّل مسؤوليّة وجودها الخاصّ، ومن ثمّة تحرير طاقتهَا لافترَاع “المتعذّر تصوّره”.

   أَنْ تَدرُس الفلسفَة في جامعَة القاضِي عيّاض بمرّاكُش، معْنَاه التمرّن على معنَى أن تسمُو أنوار الحيَاة بكاملِهَا عَن أيّ شَيء عداهَا. لربّما لذَلك اقترَان بـ “البَهجَة” التِي اشتهَرت بهَا مرّاكش، وذاعَ بهَا صيتُ صَحبَها. فمنَ قضَى بهَا أيّام حبوِه الأولَى، يصعُب عليْه الانفصَال عن نبض أسوارهَا. إنّ الحيَاة أوّلاً وأخيراً أكبَر من أيّ شيء يَدّعي قدرتَهُ علَى قبْضِ سَيلانهَا، ولا يملِك الفيلسُوف في حضرتهَا سوَى فضيلَة الشجاعَة والجرأة علَى عيشهَا كما هيّ. ومن هنَا الوجْه السقراطيّ لمصطفَى لعريصَة من جهَة استشْكالِه أمْر “الكتابَة” وممارستهَا. ليبدُو لي أحياناً أنّ الحياة عنده مخطوطتَه الأولَى والأخيرَة غير المكتملَة، ولَم يكُن ليهرُب عنَها مستبدلاً إيّاهَا بـ “المكتُوب” (بمعنييه: الورَق والقدَر)، كان سقراط وفقاً لحنا آرنت الفيلسُوف الوحيد الذي لم يحْتمِ عَن “قوّة الرّيح” (الفكْر) بـ “الكتابَة”، كانَ يعيشُ “الفكر” بوصفه حياة داخل المدينَة، ولم يكُن ليقبَل بحبْس زخمها وحيويتها في “نصّ مُنتهٍ”، وبحسَب “فيدر” فإنّ “الكتابَة” إجهَاض للفكْر الحر وفَتْكٌ بالحيَاة، لأنّها وكـَحَال “الكتبَة العمُوميين” (السفسطائيّون) حقْل لإنبَات بُذور حاملَة لموتِها بمجرّد نثرِهَا. المَكتُوب مثل أيّ “صورَة منقوشَة” تُرسَم لكي لا تَنطِق بأيّ شَيء، إنّ حالَ صاحبهَا (الكتابة) حال من حمَل قلماً وطفق يخطّ به رسْمَات على صفحَات ماء مُنسَاب. كانَت الكتابَة والكتّاب عند سقراط علامَة ضُعفٍ للعقْل وفسَاد للعيْش، فلا شيء يسمُو عنده على الحيَاة (الانسيّاب) في السّاحَة وتجاربهَا الحواريّة.

   في عَصر يتفَاخر بمكَاتيبِه وكتاتيبِه، يبدُو غريباً أن ينشَأ بيْننَا “محّاؤُون” يرفضُون الانصرَاف عن دفق الحيَاة إلَى “معتكفات الكتابَة”، ولعلّه مصطفَى لعريصَة أحدهُم؛ إذ هوَ ليْس غزيرَ “الكتابَة” بمعناهَا الميتافيزيقيّ التأبينيّ، وهو وإن كانَ كَذَلكَ، فإنّ مَقالاتِه وترْجماتِه على نُدرتِها إفصَاحٌ عَن صرامَة منهجيّة ظاهرَة، وشاعريّة رقيقَة توقفُك علَى بلاغَة أن تُمارسَ الكِتابَة في حقْل “الصّرامَة” وكأنّها احتفَاء بالحيَاة والأدب والجمَال. إنّ الكَلاَم الحيّ نفسَه ضرب مثير من ضروب “الكتابَة”، وليْس ضديدٌ لها (صيدليّة أفلاطُون لدريدَا)، هوَ روُح (لامرئيّة) لَم تَجد “لحمَها” بعْد، وحينَ تلْتقِي مع “أروَاح لحميّة” يَتحقّق أثرُها بوصفِه “محواً دائماً” لنفسِها لأنّها كلّ يوْم في شأن. المَحوُ ماءُ الكتابَة (استعارات بنيس)، والفلاسفَة والشّعراء الخالدُون محّاؤُون كبَار، على طليعتهِم سقرَاط نفسُه. وفي المسَار السقراطيّ المحّاء نفسه، لم يُعْنَ لعريصَة بـ “تخليد نفسه” في بنيَان فكريّ مرصُوص، بل كان أسلوبَه في الحيَاة والتفكير والتدريس والعيش فلسفتَه الخاصّة، وهي فلسفَة مُنفلتة مُباغتَة تُعيدَ وصْل الفصْل بين الفلسفة، والأدب، والفن، والسياسَة، والتاريخ، فيكُون “معمارهَا” لوحَة سرياليّة: فوضاهَا نظامُها أوّلاً، وشظاياها نسقُها ثانياً، وماءُ حروفهَا أثَر ما خلّدتْهُ من جلَل الأسئلَة والإشكالاَت في أذهَان وقلُوب كثيرين من طلاّبه ثالثاً.

   قَد تُحوّل المفاهيمُ الفلسفيّة الحيَاة إلى “مُومْيَاءَات” ساكنَة، جرّاء ثقتهَا في بيانهَا وتَبيينهَا. نستغيثُ بالمفهُوم عجزاً عنَ تمثّل نبض الحيَاة ودفقهَا الدّائم، وإن خلنَا أنه هوَ هيَ، سلبناهَا أعزّ ما فيهَا يُطلبُ: الحياةُ عينُها. غَريبٌ هو تصوّر إدخَال الحركَة (الحيَاة)، في “مدينَة السّكون” (المفهُوم). ليسَت “الحيَاة” مجرّد مفهُوم، إنّها حياة وكفَى. تعاشُ الحيَاةُ و”تُقال” (ربّما) بدرجَات متفاوتَة، ويتقاسَمُ قولُها: الفلسفَة، والعلم، والأدب، والفنّ، والحسّ المشترك وغيرهم، بيْد أنه ورجوعاً إلى فاتحَة هذا النصّ، فإنّ كل قولٍ للحيَاة ليْس يفصِحُ عمّا فيهَا من نَبضٍ وانسيّاب. هو مجرّد اقترابٍ منهَا، ولمن العَسِير ادّعاء أنها ليستَ إلاّ هو. إنّ التجربَة الجامعيّة رفقَة لعريصَة ليسَت في نهايَة المطاف سوَى حياة وخطّ انفلاَت متحرّر من أيّ ممّا يُمكِن تقييدُه به: وكفَانَا بذلِك قولاً وحَكياً و “ارتباكاً”، و”تأتأَة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *