الرئيسية » أخبار الساعة » حارة الحشاشين .(1)

حارة الحشاشين .(1)

لفور تنمية. ذ إدريس المغلشي

حارة الحشاشين تقع في مدخل المدينة جنوبا تحفها غربا حدائق زاهية شكلت متنفسا لأبناء الحي تضم في جنباتها أقواسا تؤرخ لعهد مضى كان فيه الحكم السلطاني يعيش أبهى أيامه وأنت تنتقل من مكان لآخر تصادفك معالم تؤرخ لهذه المرحلة الزاهية من تاريخ يعتبر شاهدا على نهضة أمة.

نقوش هنا وأبراج وصوامع هناك. جمالية المكان تأسرك بسحرها الأسطوري الممتد عبر السنين .يتوسط الحارة كنواة ضريح لولي تروي السير والحكايات أنه سليل عائلة قدمت من الشرق فمات جدها الأكبر في عين المكان ليصبح محجا لكل عابر سبيل وكل من ضاقت بهم الدنيا بمارحبت توسلا وبركة .

والعجيب في هندسة هذه الفضاءات كونها تضم كلها وبدون استثناء ساحات فسيحة جعلها أبناء الحي ملعبا لممارسة لعبتهم المفضلة كرة القدم .بعدما تم تخصيصها في أول الأمر لإقامة بعض الشعائر الدينية من قبيل “الليلة “التي قد تعني ليلة “كناوية” وقد توحي في مناسبة أخرى إحتفالات عاشوراء التي تضم حفل الدقة المراكشية أو مايصطلح عليه بين أهل البلدة فيما مضى ب” شعالة “حيث تندرج في الأنماط الإحتفالية التي تحرص الساكنة على إحيائها دون أن نجد لها تفسيرا عميقا أو نقف على أسباب نزولها .وكأن الحارة تسعى جاهدة لاستغلال كل فرص الفرحة فلاتفوتها حتى في أحلك الظروف .الحارة تعيش صراعا أبديا بين طرفي الزقاق الذي يعتبر الشريان الرئيسي فكلما حلت ليلة شهر رمضان وسمع دوي المدافع ايذانا بقدومه خرج الأطفال عن بكرة أبيهم مهللين فرحا فيحتك الفريقان ويحدث إصطدام واشتباك لايحسمه سوى من يمتلك أكبر كمية من الحجارة ويستطيع اقتحام منطقة الآخر ليعلن انتصاره بعدما يفرالآخر هاربا دون أن يعقب .فتتوالى التحليلات والمناقشات لواقعة الأمس فيما يشبه مبارزة أخرى رمزية يتبادل فيها الطرفان اللمز والغمز .ساكنة الطرف الأعلى وتموقعه الإستراتيجي مكنه من تحويل الممر الضيق لمايشبه حاجزا جمركيا من أجل ضبط كل المخالفين . إنه حدث آخر ينضاف لسلسلة أخرى من الأحداث التي قد لانجد لها تفسيرا ولاجوابا على سؤال محوري .ماالسر في هذا الصراع الذي يظهر في ليلة واحدة ثم يختفي مع مرور الأيام لتعود الحياة لطبيعتها الأولى ممايجعلك في دهشة كبيرة هل فعلا نعيش صراع بين الطرفين ؟

تنقسم بنية الحي في هندسة غريبة عجيبة إلى نصفين غير متكافئين قد يفوق طرف الآخر لايهم لكن استطاع كل منهما أن يكمل بدوره عمل الآخر . فالطرف السفلي يسكنه عامة الناس من الحرفيين والمياومين والصناع والمتسكعين البيوت متداخلة فيما بينها تشبه لحد بعيد الصناديق أو كما يشبهها “باحسن ” حين تثور ثائرثه منتفضا ضد صاحب العقار وهو يطالبه بواجب الكراء عند حلول اليوم الأول من كل شهر ينعثها بالقبور لضيقها . يوجد فران بلدي وحمام وبعض الورشات التي كانت فضاء للقاء بين أبناء الحي حيث تختص في مهن البعض منها لم يصمد أمام كل هذا التطور فاندثرت منسحبة من الساحة بعدما توفي روادها وغادرها الشباب لشح مواردها . والبعض الآخر لازال يقاوم رغم قساوة الظروف . الضجيج يعلو المكان ونسوة يجلبن الماء من السقاية الوحيدة يحكين تفاصيل عراك بالأمس انتهى بتدخل الأمن واقتيد الغريمان إلى مخفر الشرطة بعدما إنقض شاب في مقتبل العمر على نديمه في ليلة تبادلا فيها الكأس والرفس لتصفية حساب قديم بينهما . لايهدأ صخب الحي مهما بلغ الليل مداه .فتسمع صوتا خافتا يساير أغنية لكوكب الشرق في سمر اعتاد سي حميد أن يخصصه لخلانه كل يوم سبت . وصياح منبعث من بيت “بالهاشمي” كالعادة في حوار روتيني مع زوجته بعدما استفسرته في أمور طلب تأجيلها للغد دون أن تدعن .فبادلها الشتم بكلماته المعهودة والتي تثير لدى الجيران بعض الردود المستفزة فيوجه رسائله لمن يعنيهم الأمر ليعم الصمت والهدوء المكان .(يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *