الرئيسية » أخبار الساعة » التعليم في زمن كورونا

التعليم في زمن كورونا

لفور تنمية :مصطفى لغتيري

على حين غرة وبدون سابق إنذار وجد العالم نفسه مهددا بكارثة عالمية، تسبب فيها الانتشار السريع لوباء كوفيد 19، الذي لم يكن أحد قادرا على كبح جماحه او محاصرته في منطقة محددة، فرغم التكنولوجيا المتقدمة، والثورة المعلوماتية التي جعلت العالم قرية صغيرة، فشل العالم وفي مقدمته الدول المتقدمة في وقف الغزو الوبائي المستجد، بعد أن استوطنت منطقة ووهان في الصين أخذت كورونا تتسلل خلسة إلى باقي البلدان، المنتشرة عبر قارات العالم، فأضحينا بحق أمام ما يمكن تسميته بديمقراطية الوباء.

ونتيجة لهذا الانشار الكاسح للجائحة، تبين للجميع وبالملموس أن التعليم المجال الحيوي الأكثر هشاشة، إذ سرعان ما بادرت مجموعة من الدول إلى غلق المدارس وتوقيف التعليم الحضوري لتعوضه بالتعليم عن بعد حينا، او بالاستغناء عنه إلى إشعار آخر حينا آخر، جاعلين بذلك تراتبية جديدة للحقوق، مفادها أن الحق في الحياة يتقدم عن باقي الحقوق، رغم مجادلة البعض في ذلك، باعتبار أن الحياة بدون تعليم لا تستحق اسمها الذي تعتز به.

ولم يكن المغرب استثناء في هذا الأمر، إذ بادرت السلطات المغربية إلى توقيف التعليم الحضوري معوضة إياه بالتعليم عن بعد، محاولة بذلك الفوز بالحسنيين أي المحافظة على حياة الناس دون التفريط في حقهم في التعليم، وقد عرفت هذه الفترة نوعا من التجاذبات ما بين مقتنع وغير مقتنع بجدوى التعليم عن بعد، خاصة الأباء الذين لم يكونوا مهيئين لمواكبة أبنائهم في مسارهم التعلمي بشكل مباشر، فرأوا في التعليم عن بعد ثقلا تخففت منه المدرسة، لترمي به على كاهلهم المثقل أصلا بمتطلبات توفير العيش الكريم، خاص بعد توقف الأنشطة الريعية لكثير منهم.

في هذه الفترة الحرجة، اجتهد الأساتذة في التواصل مع التلاميذ عبر بنية تواصلية هشة، لا يمكنها تحقيق المرجو منها، فكثير من التلاميذ لا يتوفرون على أجهزة ألكترونية تؤهلم للتواصل مع اساتذتهم، هذا فضلا عن عدم توفر الشبكة الاكترونية او التغطية ببعض المناطق،كما أن كثيرا من الأطر التربوية تفتقر للتكوين في هذا المجال، إذ وجد بعضهم نفسه وجها لوجه إزاء وضعيات لم يكونوا مستعدين لها، ولا هم توقعوها يوما، خلافا لقلة من الأستاذة كانت سريعة في التكيف مع الوضع الجديد، بل ساهمت في خلق محتويات تربويات ضمن كبسولات الكترونية، حاولت تغطية النقص المسجل في هذا المجال، كما أن بعض القنوات التلفزية بادرت إلى بث برامج تربوية تتضمن دروسا، أنجزتها تحت أشراف الإدارة المركزية أو الاكاديميات فئة من المدرسين، الذين تجندوا لإنجاح هذه المهمة تحت إشراف بعض المفتشيين والأطر الإدارية في المديريات والاكاديميات والوزارة.

وبعد مرور المرحلة الصعبة، وتمرير امتحانات البكالوريا حضوريا، بما يعني إنقاذ السنة الدراسية، عاد التلاميذ بعد العطلة المدرسية إلى حجرات الدرس بتصور جديد، مفاده الاحتفاظ بنصف الوعاء الزمني لتحقيق التباعد المرغوب، الذي يمنع العدوى من الانتشار، فأصبحت الأقسام تضم نصف عدد التلاميذ المعتاد، وهو المطلب الذي ما فتئ المعنيون بالعملية التربوبة ينادون به من أجل خلق بيئة مناسبة لتعليم جدي، يحقق الأهداف المسطرة.

وقد أدت هذه الوضعية الجديدة ألى التركيز على المواد الاساسية لتقدم للتلاميذ بشكل حضوري ومباشر، فيما يتم تحفيز التلاميذ على توظيف خاثية التعلم الذاتي بالنسبة لباقي المواد.

وقد ساهمت هذه المنهجية في استمرار الدراسة بشكل حضوري، فيما توقف عدد محدود من المدارس عن التدريس الحضوري وتم تعويضه بالتدريس عن بعد ، خاصة بعد انتقال العدوى الى تلاميذها أو أطرها التربوية والإدارية بشكل ملموس، ويدعو إلى القلق. وبعد هذه التجربة الجديدة في مجال التعليم في عهد كورونا يمكن للمتتبع ان يخرج بجملة من الملاحظات، يمكن إجمالها فيما يلي:

– يجب عدم الاطمئنان إلى الوضع العادي للتعليم واعتباره مكسبا ثابثا، بل يتعين الأخذ بعين الاعتبار انه وضع هش قد يتغير في أي وقت، بسب كارثة طبيعية او إنسانية، لذا يجب وضع بدائل، تراعي عدد من الاحتمالات الممكنة.

– يعد التعلم عن بعد حلا من الحلول، لكنه يحتاج إلى بنية تحتية قوية، تساهم في في إنجاحه، فلا يكفي في هذا المجال النيات الحسنة، بل لا بد من تجهيزات يستفيد منها كل من الاساتذة والتلاميذ على حد سواء.

– ضرورة تكوين الأساتذة على الوسائل التقنية الحديثة، من خلال إنجاز كبسولات تربوبة الكترونية، متعددة المضامين، وقابلة للتجديد والتطوير.

– ضرورة مراعاة العدد المثالي للتلاميذ داخل القسم، رغبة في تحقيق مدرسة جاذبة، بعيدا عن ضغط الاكتظاظ الذي يؤثر على نفسيات المتعلمين والأساتذة كذلك.

– التركيز على التعلمات الأساسية في المنهاج الدراسي، وتعديل المقررات التربوية لتكتفي بما هو مفيد ومهم وهادف.

– تحفيز التلاميذ على التعلم الذاتي، خاصة بالنسبة لمواد تعد من حيث العمق تكميلية.

– الإكثار من الأنشطة الموازية والمسابقات الثقافية والفنية والرياضية، التي بلا شك تحفز التلاميذ على صقل مواهبهم، وتدفعهم لتقديم أقصى ما لديهم من أجل تحقيق التميز.

– الاهتمام بفعل القراءة، واعتباره حجر الزاوية في العملية التربوية، إذ لا يمكن الحديث عن تعلم ذاتي بدون قراءة، وخاصة بالنسبة للكتب الأدبية.

فلا بديل عن فعل القراءة لتنمية قدرات المتعلمين التاملية والتحليلية والذوقية والقيمية.. لذا يجب أن لا تظل القراءة عملية مزاجية تخضع لمزاج التلميذ او الاستاذ، بل لا بد تصبح عملية منظمة يمتحن فيها التلميذ يطريقة ما ويحصل من خلالها على علامة تحتسب في نتيجته النهائية.

– ضرورة تشكيل لجن جهوية لاختيار كتب أدبية، تغطي جميع المستويات، بحيث يقرأ التلاميذ ثلاثة كتب على الأقل خلال سنة دراسية واحدة.

مع الحرص على تغيير الكتب بعد فترة زمنية محددة حتى لا تخضع العملية للاحتكار. وتبقى كل هذه الإصلاحات غير ذات جدوى إذا لم يتم الاهتمام بوضعية نساء ورجال التعليم الاجتماعية، مع مراعاة إشراكهم في كل محاولة للإصلاح، باعتبارهم حجر الزاوية في العملية التربوية، ولا يمكن تنزيل التوصيات في الواقع بدونهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *