الرئيسية » أخبار الساعة » المغرب زمان الرحالات الفرنسيات الرحامنة نموذج من خلال كتاب: « … على طول امتداد المسالك المُغربية الجزء: السادس

المغرب زمان الرحالات الفرنسيات الرحامنة نموذج من خلال كتاب: « … على طول امتداد المسالك المُغربية الجزء: السادس

فور تنمية: ترجمة ذ  محمد بوخار

بعيدا عن باريس.. عشاء في سيدي البهيليل على ضوء قنديل .

… بدأ الليل يرخي سدوله حينما التحقت بنا امرأتان صديقتان للأسرة كانت إحداهما ذات سحنة باسكية، بشرة بيضاء وعينان متقدتان. اجتمعنا كلنا في « نوالة » مؤثثة بما هو ضروري من أفرشة بسيطة وحصر، وفي ركن منها أغطية بالية مطوية بعضها فوق بعض على صندوق خشبي، وقنديل تبعث ذبالته لهبا ضعيفا ينوس متثاقلا في فتور فلا يكاد ضوءه ينير أرجاء المكان. ناولنني وعاء حليب ثم طفن به تباعا على الجميع. وفي ركن عند المدخل، جثت إحدى النسوة على ركبتيها تمسك كيرا صغيرا ” رابوز” وتلهب النار بكل جهدها في مجمر من طين وضعت فوقه غلاية “مقراج ” فيه ماء ليغلي وبيض ليسلق. بادرت الأم العجوز ذات الشعر الأحمر بفعل التخضيب بالحناء تقرب إلي الكسكس ولحم الخروف في إناء من طين، وعلى ما يبدو كان الاهتمام بالنظافة قليلا إلا أن الضوء الخافت جنبني رؤية كثير من الأشياء التي كان من الممكن أن تثير اشمئزازي. أما خدوج فقد كانت تلعق أصابعها مما علق بها من طعام ثم تعيد مش ما فضل من عظم. بعد ذلك، تتابع أكلها بجمع الكسكس في إحدى كفيها وتضغطه ضغطا خفيفا لتشكله على هيأة كرة صغيرة تتلقفها بسرعة في فمها كما يفعل الرجال في العادة، وبعد أن تأكل كفايتها تتجشأ بارتياح كبير. كان هذا هو الطبق الأول، أما الطبق الثاني فكان من لحم عجل أظن أنه طبخ في الماء. قامت عائشة بإعداد شاي من نفس الغلاية التي سلق فيها البيض قبل قليل. فشربت منه خمسة كؤوس وكانت الأخريات يرشفنه بشفتين مزمومتين فيسمع لذلك صوت ممدود ينم عن استمتاعهن وتمتعهن بهذا االمشروب . لم يكن يقدمن لي الشاي في نفس الكأس الذي أشرب منه، بل كان ذلك يتم كيفما اتفق، لكن هذا لم يكن يهمني ما دام الشاي يدفئ جسدي في هاته الليلة الباردة. انزوت الأم العجوز في ركن معتم من « النوالة » افترشت زربية صغيرة، وجثت على ركبتيها، ثم بدأت تؤدي صلاتها وهي تتلو وتدعو بصوت خافت يتخلل ذلك ركوع وسجود. وما إن تنهي عددا من الركعات حتى تتوقف لتشرب الشاي أو تشارك في الحديث ثم تستأنف صلاة أخرى. دلف علينا محمد وشاركنا شرب الشاي، أخبرته النسوة في تعجب بأنني أتكلم بعض الجمل العربية، سمع مني بعضا منها، لكنه لم يعر ذلك اهتماما. قضيت أربع ساعات عند مضيفاتي وبدأت أحس بالتعب يهد جسمي وبالصداع ينتاب رأسي، وشعرت أنني في أشد الحاجة إلى الراحة والنوم، سيما وأنها التاسعة ليلا وقد بدأ جاك يقلق على طول غيابي، لقد حان وقت الانصراف… حملت بضع بيضات أصرت مضيفاتي على تقديمها إلي من أجل التزود بها في الطريق إكراما لي وعناية بي. شكرتهن، ثم ودعنني وذلك وبتقبيل أيديهن بعد مصافحتي. جاء السي محمد ليتناول عشاءه في الخيمة، وشرع يحكي لنا أشجانه ومآسيه، كمن يبحث عمن يشد عضده ويقوي سنده. وباتت الكلاب طول الليل تنبح وتتهارش تارة وتتسكع حول الخيمة تارة أخرى أو تسعى لتلغ من الماء القليل الذي نوفره في سطل لحاجتنا، كما بات بالقرب منا خمسة حراس جلسوا على حصير وأسندوا ظهورهم إلى الحائط ، يثرثون ويغنون ليغالبوا سيطرة النوم عليهم. وقضت الدواب المربوطة أمام خيامنا جزءا كبيرا من الليل تصهل وتضرب الأرض بحوافرها مثيرة بذلك جلبة وصخبا أفقدنا كثيرا من متعة النوم…

يتبع..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *