الرئيسية » أخبار الساعة » مذكرات من ذكرى المعركة : لحظات في التاريخ – موعد في سيدي بوعثمان

مذكرات من ذكرى المعركة : لحظات في التاريخ – موعد في سيدي بوعثمان

 

 

تعتبر أول معركة كبرى خاضها الشعب المغربي بعد توقيع معاهدة الحماية لإحتلال المغرب من طرف فرنسا.

شارك فيها مجاهدون وطنيون من مختلف قبائل وجهات البلاد، من سوس والصحراء وشنقيط وحاحا والأطلس وأحواز مراكش وعبدة ودكالة والشاوية والسراغنة والرحامنة وتافيلالت وغيرها من القبائل.

بقيادة الشيخ أحمد الهيبة بن الشيخ ماءالعينين الذي تزعم حركة الجنوب (1912-1919) بأمر من السلطان المولى عبد الحفيظ الذي راسل الشيخ، بعد أن تنازل عن العرش، ليتولى زعامة الجهاد ومواصلة الكفاح ضد الغزو الفرنسي لبلاد المغرب.

فبعد معركة “صخور الرحامنة” و”ابن جرير” أمر الشيخ أحمد الهيبة خليفته ونائبه الشيخ أمربيه رب أن يتولى بنفسه قيادة جيش المجاهدين ويناجز الجيش الفرنسي الزاحف.

فقام الشيخ أمربيه رب بن الشيخ ماءالعينين وعقد مؤتمرا حربيا حضره جميع القواد استعدادا للمواجهة، وأدلى كل قائد برأيه فيما يخص خطة المعركة، وبعد مشاورات استقر رأيهم على اختيار مكان “سيدي بوعثمان” ميدانا للمعركة لموقعه الاستراتيجي، فانطلقوا في اتجاهه بعد أن تم توزيع الجيش الى “مقدمة” و “ميمنة” و “ميسرة” و “ساقة”.

في المقدمة : مفرزة من الفرسان ممن لهم خبرة بمسالك الطرق وطبيعة الأرض.

في الميمنة : أربع كتائب من مختلف القبائل السوسية والحوزية.

في الميسرة : كانت تتشكل من قبائل وادنون من تكنة وأيت بعمران وقبائل الصحراء وشنقيط.

في الساقة : القيادة العليا للجيش (بقيادة الشيخ أمربيه رب)

فرابطت ثلاث فرق من الجيش عدد أفرادها 15 ألف عسكري بزعامة الشيخ أمربيه رب في باب الخميس، ثم انتقلت الى سيدي بوعثمان. غير أن المفاجأة التي أرادتها حركة الشيخ أحمد الهيبة لم تتحقق، ذلك أن الفرنسيين علموا عن طريق بعض الخونة بتحرك الفرق الثلاث واستعدوا للقائها بتعزيزات مهمة.

فلما تراءى الجمعان وتلاحم العسكران، أبدى المجاهدون بطولة وشجاعة وروح قتالية عالية، اكتسحوا فيها الساحة ولم يقف العدو أمامهم أقل من ساعة، ثم إنهزم وتبعه المجاهدون يقتلون ويأسرون الى أن رجع العدو الى معسكره البعيد.

وفي هذه الجولة الأولى أبان محمد الأغظف بن مصباح والقائد حيدة وجنودهما وباقي المجاهدين عن قتالية عالية وكان النصر حليفهم.

فتجنبت القوات الفرنسية الاشتباك مع المجاهدين عن قرب، فعملت على القصف من بعيد بواسطة المدافع الرشاشة وكان لديهم 8 مدافع رشاشة، وكانت كتائب السنغاليين و “الكوم” على الخيل تتقدم الجيش. وقد مات العديد من السنغاليين و”الكوم” وفي العادة لا يكترث الفرنسيون بقتلى هؤلاء، فلا يذكروهم، إنما يذكرون القتلى من الفرنسيين كما هو معروف.

وعندما بدأت المدافع الثقيلة ترسل حممها، جمحت خيل المجاهدين من سماعها، واضطرب الفرسان. فكانو هدفا سهلا لمدافع العدو، وأدى ذلك الى تقهقر قوات حيدة إلى الوراء بعد أن كانت في الخطوط الأمامية، فتدخل جيش القائد الناجم لكنه تقهقر أيضا أمام القصف العنيف.

ولما رأى الشيخ أمربيه رب حدوث هذه الثغرة المفزعة، أمر بتدخل كتيبة القائد حسن بن السملالي وكتائب القائد البخاري بن أباعلي والقائد أعلي بن المعطي والمقدم محمد أمبارك بن الشيخ المعلوم، ومعهم أكثر من ألف مقاتل، فقاتلوا قتال الأسود وأثبتوا غير أن الهجمة كانت شرسة وقوية استعملت فيها قوات الاحتلال أحدث الأسلحة.

** خيانة القواد تنقذ جيش الاحتلال الفرنسي ** :

في هذه اللحظة فوجىء المجاهدون بإطلاق نار مكثف عليهم من الخلف، وذلك لما رأى بعض القواد الخونة ممن كانوا ضمن المجاهدين الظرف الحرج الذي فيه الجيش الفرنسي عمدوا إلى الانقضاض على جيش المجاهدين قتلا ونهبا، فأنقذوا الجيش الفرنسي من هزيمة كانت محققة، وبعد ساعات عديدة من الالتحام وقعت الهزيمة في صفوف المجاهدين.

يقول المانوزي وهو شاهد عيان عن ما قام به الخونة في الانقلاب على المجاهدين، يقول :

“”إنه لما آنس القائد العيادي وقبائله من الرحامنة وجيرانهم الذين حلت جيوش المجاهدين بأرضهم ما قد يحدث من هزيمة في معسكر الفرنسيين، وخافوا إن تمت عليه الهزيمة ثانية أن لا يعود إلى القتال، قاموا من جانبهم وشدوا شدة رجل واحد على جيش المسلمين من ورائهم، فهجموا أولا على معسكرهم الذي فيه مئونتهم وعدتهم العسكرية، وفيه الخليفة أمربيه ربه حيث قاموا بإضرام النار فيه وانقضوا على المجاهدين قتلا ونهبا. فعلم الخليفة (الشيخ أمربيه رب) أن العدو أمامه والخيانة والغدر وراءه، وكذلك فعل قواد الحوز الگلاوي والمتوكي بمراكش فقد حاصروا فيه الهيبة أيضا، ولما سمع عسكر المسلمين ما تم من قواد الحوز من الغدر فشلوا ورجعوا متفرقين””.

ونقل المختار السوسي عن عمر بن عبد الرحمان الهشتوكي، قوله :

“”حضرت القائد حيدة وهو واقف أمام مربيه ربه عند الغروب وهو يقول : إن ظهر لك أن يبيت جميع السوسيين في المعسكر وقواد الحوز كلهم يحرسون الجهة التي توالي العدو وفي الصباح نبكر عليهم. فقال له مربيه ربه : لا يبيتن في المعسكر إلا التلاميذ وإلا الكسيميون فقط. وفي الصباح لحقنا بمحل المعركة فقاوم الناس مقاومة شديدة، وقد بذل القائد حيدة جهده ذلك النهار هو والتلاميذ والمسفيويون والسباعيون والبرابيش من الرحامنة، وأما الباقون من الرحامنة فقد هاجمونا من الجانب، وكانت الطلقات العسكرية المتتابعة كالأمطار علينا ومن فوقنا القنابل هي التي كسرت شوكة المحاربين الذين بذلوا الجهود مع الحرارة الشديدة وعدم الماء. فلم تزل الحرب قائمة على ساق إلى أن دلكت الشمس. فحينئذ ظهرت بوادر الهزيمة في صفوفنا. “””

يقول الحسن وكاك عن خيانة القواد وتواطئهم مع الفرنسيين :

“”إن الفقيه الرحماني حدثه القائد مولاي الجيلالي الجعدي أنه كان ضمن القواد المتواطئين مع القوات الفرنسية، وأنهم كانوا يتسلمون صناديق النقود ليلا من الفرنسيين ويقسمونها فيما بينهم، ثم في الصباح يقولون على آذان العامة من أصحاب الشيخ أحمد الهيبة هلموا إلى الجهاد يرحمكم الله.””

فسر الهزيمة التي لحقت جيش المجاهدين هو انقلاب قوات القياد (الگلاوي والعيادي والمتوكي) على المجاهدين وصارت تقاتل الى جانب القوات الفرنسية التي لم تحسم المعركة كما توهم بعضهم، بل موقف الخونة هو الذي كان حاسما في الأمر.

وللاشارة فإن الخسائر البشرية في المعارك بالغ فيها الفرنسيون حيث قدروا قتلى المجاهدين بألفي قتيل. لكن الإحصاء الذي أجري بعد ذلك من قبل أهالي المجاهدين يخالف هذا الرقم بكثير حيث وصل عدد من استشهد إلى ستمائة شهيد. وذكر عمر أفا: “أن الخسائر في صفوف الجيش الفرنسي في حدود مائة جندي بين قتيل وجريح”.

بعد أن علم الشيخ أمربيه رب بحصار مراكش وإغلاقها، توجه إليها مباشرة من ساحة القتال وفتح أبوابها ودخلها فأطلع الشيخ أحمد الهيبة على الحالة، وأخبره بالخيانة التي وقعت وطلب منه الخروج فورا من مراكش.

فبعد صلاة الفجر سلكوا طريق على جهة وادي النفيس، ومعهم بعض القواد الأوفياء لله من أهل سوس، والصحراء، وشنقيط. وتناوبت كتائب الفرسان على حمايتهم وفق خطة تنظيمية للشيخ أمربيه رب إلى أن دخلوا تارودانت بعد يومين من مسيرة الانسحاب على طريق الصويرة.

** الاحتلال الفرنسي يعترف بصعوبة الموقف قبل المعركة وأثنائها** :

إذا كان عباس التعرجي ومن يدور في دائرته من أعوان المستعمر يعطون وصفا سلبيا للمجاهدين الذين خاضوا غمار معركة سيدي بوعثمان، ويصفون جيش الاحتلال الفرنسي بأنه صاعقة مدمرة، كما يصورون جيش الشيخ أحمد الهيبة بأنه مجموعة من الغوغاء جاءت لتنهزم أمام الجيش الفرنسي. فأن ما ذكره الضباط الفرنسيون، وخاصة الجنرال اليوطي، في تقاريرهم ينافي ما ذكره التعرجي إذ يعترف اليوطي بأن بداية معركة سيدي بوعثمان كانت حربا طاحنة، ويشير إلى أنهم خاضوا في ظرف ثلاثة أسابيع أحد عشر قتالا ومعركة واحدة. ويتضح من هذا أن مناوشات كثيرة قد دارت قبل المعركة، وقد كان فيها جيش المجاهدين في موقع المبادرة كما حصل في “الأوهام” يوم 22 غشت وكذلك يوم 24 منه.

ويعترف اليوطي قبل اندلاع المواجهات في “صخور الرحامنة” و “ابن جرير” ومعركة “سيدي بوعثمان” بضعف الحملة الفرنسية ومعاناتها أثناء الزحف يقول :

“”فإن من المستحيل ان يتوفر لدينا تجمع كاف قبل سبعة أو ثمانية أيام عددا وعدة وآلات ووسائل نقل للتدخل في مراكش بطريقة ناجعة””.

ويضيف الجنرال اليوطي :

“”وكيفا كانت عاقبة القتال المعلن فإنه لم تبق تحت تصرفنا بالشاوية ولو وحدة واحدة، والمراكز لا تشغلها إلا فرق ضئيلة فهي إذن بدون حماية تماما وليس لدينا ما نستقدمه من المناطق الأخرى المهددة هي نفسها على جبهاتها، إن التطور المفاجئ للنفوذ السحري لحركة الهيبة بمناداته بالجهاد، خلف الوضعية الأكثر خطورة.””

وقال ليوطي أيضا :

“” إن انتصار مانجان لم يكن ليتحقق لولا تعاون قواد الرحمانة””

وقال النقيب كورني قائد جيوش الاحتلال الفرنسي بمراكش والجنوب 1912-1913 :

“”ما كنا لننتصر على الشيخ احمد الهيبة، لولا المساندة القوية التي لقيناها من قبل القياد الكبار الذين لم يبخلوا علينا بالمال والرجال منذ أن وطأت أقدامنا مراكش.””

يتضح مما ذكره الجنرال اليوطي والنقيب كورني ضعف الحملة الفرنسية، مما يجعلنا ندرك أنه :

أولا : لولا خيانة القواد الذين أسعفوا الغزاة في الوقت الحرج لما تغلب الجيش الفرنسي على المجاهدين.

ثانيا : من بين أسباب انهزام المجاهدين محدودية عتادهم الحربي وعدم توفرهم على الاسلحة المتطورة والمدفعيات الرشاشة التي كان لها الدور الحاسم في المعركة.

.الشيخ ماءالعينين علماء وأمراء في مواجهة الاستعمار الاوروبي // مذكرات النقيب كورني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *