الرئيسية » أخبار الساعة » لغتيري يكتب .. مصحف أحمر: رواية الثورة وحوار الأديان

لغتيري يكتب .. مصحف أحمر: رواية الثورة وحوار الأديان

لفور تنمية : مصطفى لغتيري

يواصل الأديب اليمني محمد الغربي عمران، الذي تميز في كتابة القصة القصيرة والرواية، مغامرته السردية، بكتابته لرواية جديدة اختار ان يسمها ب” مصحف أحمر “، وقد لاقت هذه الرواية كثيرا من الاحتفاء ، بسبب مكانة الكاتب أولا، الذي فرض نفسه كأديب عربي له اسم لامع في الكتابة السردية، ثم بسبب القراءات النقدية التي حظيت بها الرواية في كثير من البلدان العربية، من قبل نقاد وأدباء وصحفيين. كما أنها كانت موضوع ندوات عربية في أكثر من قطر عربي، وتقع هذه الرواية الصادرة عن منشورات”كوكب رياض الريس” بلبنان في 345 صفحة من الحجم المتوسط. أول ما يثير انتباه القارئ في هذا المتن الروائي الشيق توظيف الكاتب تقنيات الرسائل، فالشخصية الرئيسة، و هي امراة اسمها “سمبرية” توجه رسائل متتالية إلى ابنها حنظلة المقيم في بلاد الغربة في العراق، من أجل دراسة الطب، فتحدثه بأدق التفاصيل عن رحلة أبيه “تبعة ” النضالية الشاقة من أجل تحقيق حلم توحيد اليمن في ظل نظام اشتراكي، يحقق للمواطن العدالة و الديمقراطية والاقتسام العادل للثورة، وفي خضم هذه الرسائل تكشف الأم لابنها الغائب/ الحاضر عن لواعجها و أحلامها ومثبطاتها، فتمتزج أحلام الذات بشجون الواقع، كما تطلعه على الرسائل التي تلقتها من أبيه إبان انخراطه في حرب الوحدة، مع ما يرتبط بذلك من دسائس و صراعات ظاهرية و باطنية، كاشفة بذلك عما يعتمل في الجسد اليمني من تناقضات، تؤججها الصراعات القبلية والدينية والثقافية والسياسية والإديولوجية. ومن أهم ما يميز هذه الرواية حقنة من جرأة غير معهودة في تناولها للجانب الديني من خلال رمزية “المصحف الأحمر” الذي يمتلكه الجد، والذي يحتوي بين دفتيه كل من الأنجيل و التوراة و القرآن، و لا يتوانى الجد عند كل حادثة من أن يقرأ فقرات وآيات من الكتب الثلاثة، بشكل متتابع ومتداخل، في إشارة منه إلى أن الأديان الثلاثة يوحدها هدف واحد، و لا أفضلية لأحدها عن الباقي، وكما يعلم الجميع فهذا الأمر يعد من الطابوهات التي يصعب تناولها عربيا، بسبب تشدد كل من الدولة والمجتمع، ولعل هذا التحريم هو الذي يجعل فئة من المجتمع تستولي على هذا الجانب وتوظفه من أجل قضاء مآربها خاصة في الصراع السياسي، الذي أصبح المتنافسون فيه يجتهدون في احتكار الدين وتأويلهم له من أجل الحصول على مكاسب دنيوية بحتة. كما أن الرواية لامست طابو آخر بكثير من العمق الذي يحسب للكاتب، ويتعلق الأمر بالجانب الجنسي، وذلك من خلال الكشف عن العلاقات المثلية بين الرجال فيما بينهم ، و النساء كذلك، كل على حد سواء، ولا يخفى كذلك أن علاقة الإنسان العربي بجسده علاقة ملتبسة، لا تدخل أبدا في خصوصية الفردد بل تجعله كل من الدولة والمجتمع في ملكيتها، فتحرم ما تشاء منه وتحلل ما تشاء، وقد قاربت الرواية هذا الموضوع في المتن الروائي بشكل سلس وعميق، بما يوحي بأنه أمر طبيعي جدا، بل و تتجرأ الرواية في الربط بين هذ السلوكات الجنسية و النزعة النضالية عند الشخوص. مما يجعل نظرة الرواية للجنس متقدمة جدا، فهي لا تخندقه في إطار المدنس، بل تعتبره شأنا خاصا جدا لا ينقص من قيمة الفرد. ومما أضفى ألقا خاصا على الرواية مساهمة الصوت النسوي في تأثيثها بشكل فعال ، من خلال أصوات نسائية فاعلة ومحورية في أحداث الرواية، مما يجعلها حسب رأيي المتواضع رواية متميزة و عميقة، وذات بعد إنساني عميق، تتعامل مع الأنسان كإنسان بعيدا عن خندقته في هويته الجنسية أو الدينية أو الطائفية، بالإضافة إلى احتفائها بالبعد القطري الوطني متجليا في “توحيد اليمن”، الذي يتأرجح بين الوحدة والتقسيم في تاريخه الحديث، كما اهتمت الرواية بالبعد القومي من خلال انفتاحها على الأحداث الأخيرة التي كان العراق ساحة لها و خاصة إبان الغزو الأمريكي لهذا القطر العربي الجريح، الذي أتاح للطائفية الخروج من القمم لتتسيد على ما سواها فيفقد بذلك هذا البلد العربي لحمته الوطنية، وينخرط أهله في حروب لا تنتهي، مستهلكة بذلك ثروته الطبيعية والبشرية والحضارية. ومن أجواء هذه الرواية الجميلة والعميقة، التي بقدر ما تحقق لك المتعة تفتح لك عينيك على أبعاد عميقة في الوجود الأنساني ومعاناته، نقرأ هذا المقطع المثبت على ظهر الغلاف” حاولت أن أجاريه في رقة الكلام .. مناغاة الجسد .. كان يدهشني .. أشعر بأنني طوع أصابعه .. طغت غلمتي.. جعلني أطير فوق نشوته .. عاملني كما لو كنا في معركة من الكر و الفر .. التحام و فك .. استبد بي الجوى .. أتلوى تحته .. رغبة تجتاح صهيل قلبي.. احتضنته .. علوت عليه .. استدار ليطرحني أرضا .. لأول مرة يئن من دون اكتراث .. ثم يعوي بصوت يخترق الأسماع .. أدركت بأن شبقه يسحقني .. وشوشته بكلمات استعرتها منه.. كل ما علي هو تلبية ما يقول .. قطرات العرق المخلوط بروائح دافئة .. النشوة ترفعنا إلى ذرى المتعة .. أعقبها خدر مسكر “.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *