أخر الأخبار
الرئيسية » أخبار الساعة » كورونا..لا شيء سيكون بخير ان لم نطور مناعتنا الانسانية والايكولوجية

كورونا..لا شيء سيكون بخير ان لم نطور مناعتنا الانسانية والايكولوجية

نادية عطية:باحثة في الفكر والإيكولوجيا

خطى متسارعة، وجوه شاحبة يظهر عليها الهلع، محاولات يائسة لأخذ مسافة معينة عن الآخر رغم التزاحم الشديد، ما لذي يحدث..كأن لا أحد يعرف مالذي يحدث او بالأحرى مالذي سيحدث، الكل يكتفي بتأمين حاجاته الضرورية للبقاء أطول وقت ممكن لأن الحياة ستتوقف ربما،الحياة ستتوقف والعالم سيغلق..وفي ذهن الجميع وهمساتهم كلمة واحدة تتردد :كورونا، كورونا الموت القادم من الفيروس..كورونا الفيروس الذي يهدد بقاءنا على الأرض فهل هذا كل شيء؟

تعتمد مقاومة الامراض الفيروسية بالأساس على مناعة الانسان، وعند نجاح الجسم في مقاومة أي فيروس تتكون لديه ذاكرة، ذاكرة تقضي عليه بمجرد دخوله للجسم قبل أن يسبب أي مرض، حتى اللقاح يعتمد على نفس المبدأ، هناك فيروسات قتلت الكثيرين قبل أن تتطور مناعتنا ضدها، ويقال أن ما قضى على الهنود الحمر ليس فقط القتل ولكن أيضا الامراض الفيروسية التي حملها معهم الاسبان والبرتغال ولم تكن للهنود مناعة ضدها. مالذي يحدث عندما تتطور مناعة جماعية؟ يتقهقر الفيروس بدوره في اطار طفراته و يصبح اقل فتكا و أقل عدوى ان اراد أن يعيش، أو ينقرض، كم هي متناسقة قوانين الطبيعة. يمكننا ان نطور مناعة طبيعية ضد كورونا لكنه لن يمهلنا لذلك، في بريطانيا عندما تصاب فتاة بلاروبيول تختلط بجميع الفتيات في سنها حتى تتم العدوى ويقوين المناعة، حتى اذا تم الحمل عندما يكبرن يحمين أجنتهن ..لقد كان اختيار بريطانيا في البداية مناعة القطيع لكنهم عادوا لرشدهم لأن كورونا لن يمهلهم و هو المكتسح الآن والاقوى، تلك قوانين البيولوجيا، أعلن كورونا انه الاقوى و أنه لن يمهلنا لنطور مناعتنا ببطء، وليس أمامنا إلا اللجوء لأقدم طريقة عرفها الانسان لمواجهة الاوبئة، الحجر الصحي، فهل هذا كل شيء ؟! وهل سنكتفي بقراءة مختزلة مثل هذه وننصرف إلى تدبير حياتنا المحجورة دون اكتراث في انتظار اللقاح المنقذ أو تقهقر الفيروس؟! أبدا الأمور اعقد و أكبر من هذه المقدمة البسيطة وأعلن منذ البداية ان قراءة ايكولوجية وحدها قادرة على ادراك لحظة كورونا بكل دروسها واخطارها ورهاناتها، و أنا لست أعني تلك القراءة المختزلة التي تقول أن اعتداء الانسان على مجال الحيوان (الخفاش) هو سبب الوباء، هذه القراءة التي قد تسقطنا في الايكولوجيا السطحية او ايكولوجيا الخرافة، فالانسان كان دائما يعيش مع الحيوان و يتبادل معه الأمراض والطاعون مثلا كان مصدره الفئران، بالعكس السلوك اللابيئي هو هجران الإنسان لمجاله الطبيعي ليعيش في مجال إسمنتي حديدي، والأوبئة كانت ملازمة للإنسانية لكننا لا يمكن أن ننكر منجزات الانسان فالصابون وحده قضى على أمراض كثيرة واللقاح أيضا كان انجازا تاريخيا، وتجدر الاشارة الى ان اللقاح يستعمل للحيوان ايضا، ليست المشكلة هنا بل المشكلة أكبر و أعمق بكثير وحتى تتوضح منطلقاتي دعوني اتساءل:

1_كل الأوبئة التي عرفتها الانسانية و رغم فتكها وانتشارها إلا أنها ظلت محصورة في مجال جغرافي معين ولم تكتسح العالم أجمع. كورونا جائحة عالمية لم تسلم منها أي بقعة من هذه الأرض، فما السبب يا ترى؟ الجواب واضح ،هو نمط عيشنا العولمي أو بالأحرى هو النسق/النظام العالمي دعوني أسميه بوضوح ،النظام الرأسمالي العولمي الذي نعيش فيه، لقد انتقلنا من عولمة السوق، الى عولمة الفقر والنهب الى عولمة الثقافة والأوبئة بحيث أن من يهيمن على العالم أصبح ينهب ويساهم في تفقير البشر في ابعد نقطة من هذا العالم بل و أصبح من السهل تصدير الأوبئة الى أبعد نقطة في هذا العالم.

2_على حد علمي، دور الحجر الصحي هو التخفيف من وطأة المرض على المستشفيات بحيث أنها غير كافية لاستقبال المرضى ونحن هنا لا نتحدث عن بلدان العالم الثالث، إننا نتحدث عن ايطاليا وعن فرنسا، وعن أمريكا أكبر قوة اقتصادية في العالم، لنكن واضحين هنا أيضا يظهر ان النظام العالمي النيوليبرالي بالضبط هو السبب في تضاعف خطر كورونا، لم تكن المستشفيات لتكلف أكثر من القنبلة النووية و لا الاطباء أكثر من المارينز لكنها الاختيارات و السياسات التي جعلت دور الدولة مهمشا حسب تعاليم ميلتون فريدمان وصبية شيكاغو التي تبناها ريغن وتتشر و كل العالم و جعلت السوق تقفز على الدولة لتستقيل الأخيرة من دور الحماية الاجتماعية والخدمة الاجتماعية.

3_كيف يعقل أنه وفي الوقت الذي يتحدث فيه العلم عن موت الموت وعن استنساخ الانسان الذي لا يقهر وعن غزو الفضاء يقف عاجزا امام فيروس صغير؟ لا استغراب فالأمر واضح ،تلك طبيعة الرأسمالية ،التناقضات الصارخة، الفقر والجوع في ظل فائض الانتاج، الجهل والتجهيل في ظل الانفجار المعرفي، و أوبئة قاتلة في ظل التقدم العلمي والتكنولوجي، الرأسمالية التي تخلق لنا حاجات و همية و تدوس على حاجاتنا الاساسية، تروج للايفون والشيبس في حين يعاني الملايين من الجوع و سوء التغذية، تنفق الملايير على أبحاث موت الموت في حين ان ما نحتاجه هو الحياة السعيدة ولو كانت قصيرة، يصرح عالم الفيروسات نويل توردو أنهم قد أوقفوا أبحاث عالم كان تقريبا الوحيد المتخصص في فيروسات الكورونا على اعتبار انها غير مفيدة، وايبولا وسارس كانا ناقوس خطر لعودة الأوبئة لكن من يحكمون العالم لهم أولويات أخرى غير حياة البشر…

كورونا ليس سوى الشجرة التي تغطي الغابة، ليس سوى الخطر الأصغر الذي ينبئنا بأخطار كبرى تهدد بانهيارات أكبر قادمة، كورونا هو ناقوس الخطر الذي ينبهنا للأخطار الحقيقية التي تهدد حياتنا والحياة على الارض و نمر بجانبها دون اكتراث.

إن حالات السرطان تزداد سنة بعد سنة لكننا نتابع حياتنا دون اكتراث والأكل المسرطن والهواء المسرطن و الأسمدة المسرطنة مستمرة بحكم 1% الذين يتحكمون في حياتنا،الجوع والحروب تقتل الأطفال يوميا لكننا نتابع حياتنا دون اكتراث مادامت بعيدة عنا،الديون تغرق بلدانا تعيش خارج التاريخ و أخرى تكدس الاموال في الابناك لكننا نتابع حياتنا دون اكتراث، مافيات وحوش دولية ومحلية تمارس نهبها اليومي وتقتل الحياة على الارض لكننا نتابع حياتنا دون اكتراث، أمنا الارض تنقرض انواعها و تفقد اشجارها و يتغير مناخها و يذوب جليدها، أمنا الارض تنوء بثقلنا لكننا نتابع حياتنا دون اكتراث.

فجاء كورونا ليقول لنا، اليوم والآن الآن ستغلقون العالم، لا يهم أن تنهار البورصات او تتوقف المصانع او تغلق المتاجر أو يصبح سعر البترول في الحضيض، كل هذا لا يهم فأنا قريب منكم أكثر من كل الاخطار التي تتهددكم، لن تتابعوا حياتكم دون اكتراث بعد الآن، لن يضمن أي كان أنه سيتجنب الخطر غير المرئي وهو الذي أغمض عيونه عن كل الاخطار الواضحة المرئية دون ميكروسكوب، هنا و الآن الكل سيؤدي ثمن جرائمه السابقة و لامبالاته المائعة، هنا والآن سنتعلم كل الدروس، فهل سنتعلم الدروس؟ يجب أن نعلم أننا و في العصر الذي يسوق له على أنه عصر الرفاهية والأمان التام من كل الاخطار، وفي ظل النظام الذي يسوق لنفسه على انه نهاية التاريخ وان البشرية لن تعرف افضل منه، نعيش وضعا استثنائيا تتراكم فيه الاخطار، يجب ان نعلم بكل بساطة أن الحياة، حياتنا وحياة جميع الكائنات بل حياة الارض أصبحت مهددة بشكل كبير، و وضع استثنائي كهذا يحتاج لرؤية، لنسق استثنائي ثوري ربما نستطيع ان ننقذ ما تبقى منا.

الايكولوجيا العميقة، انها منظومة فكرية قيمية ثورية تشكل انقلابا على كل ما سبقها، هي ثورة على كل الفلسفات والرؤى التي جعلت من الانسان مركز اهتمامها لتحول الاهتمام نحو الارض، أطروحتها الاساسية هي انه آن الاوان ان يخرج الانسان من التمركز حول الذات/الانسان الى التمركز حول الآخر/ الأرض، لقد عرفت البشرية بشاعات وعذابات كثيرة بسبب كل أنواع المركزيات، المركزية الذكورية، المركزية الغربية، المركزيات الدينية والعرقية، ومركزية أولئك الذين يعتقدون أنهم هنا على الارض ليتحكموا في بشرها وشجرها وحجرها دون شعور و ليراكموا ثرواتهم و يحموا سلطاتهم، لكن أخطر مركزية بالنسبة للايكولوجيا العميقة هي المركزية البشرية والتي ستكون نتيجتها القضاء على الحياة على الارض، وبالرغم من أن عمر الانسان على الأرض لا يساوي شيئا فقد اعتبر نفسه خليفة الله في أرضه، هو الكائن الأرقى والأعلى وكل من في الطبيعة مسخر له ولسعادته ، هو لم يكتف بذلك بل انه اطلق العنان لجبروته ليعيث في الارض تدميرا لذلك فالبداية يجب ان تكون بالانقلاب على هذه المركزية، الايكولوجيا العميقة هي رؤية ثورية تعيد صياغة علاقاتنا بذاتنا و بكل صغيرة كبيرة في هذا العالم، هي مقولات تعيد الحياة لكل ما يطفئ الحياة فينا و حولنا.

يقول مؤسس الايكولوجيا العميقة الفيلسوف النرويجي أرني نايس، إن الجزء لا وجود له بمعزل عن الكل، و ان كل عنصر حيوي مرتبط بكل العناصر الحيوية الاخرى ويعتبر أن الكون كيان واحد، الارض بمحيطاتها وجبالها وسهولها بحشراتها و وحيشها، ببشرها وشجرها وحجرها كيان واحد، ويعتبر أن تحقيق الذات ليس حدثا نهائيا بل هو سيرورة مع وعبر كل الحيوات المتدفقة حولنا، أرني نايس قارئ كبير لاسبينوزا و استلهم منه خاصة نظرته لوحدة الوجود و اعتباره ان ما يميز الانسان عن الكائنات الاخرى ليس الماهية أو الجوهر بل فقط القدرة، كل الكائنات متساوية و متوحدة وان اختلفت قدراتها، و هو يلغي الثنائيات والتقاطبات كما يسطر في كتابه ايكوصوفيا من أجل الحياة طريقا لتحقيق السعادة التي لا يمكن ان تتحقق الا بالمشاركة والتقاسم والتناغم مع الحيوات الاخرى، ارني نايس ايضا متسلق للجبال ويعتبر أن الجبل مدرسة للحكمة بل ويدعو للتفكير مثل الجبل ولعله استلهم فلسفته من العيش في الجبال..يضيف ارني نايس، يمكنك ان تقتل بعوضة اذا كانت تزعج طفلك لكن لا يمكنك أن تعتقد أنك تملك الحق في الحياة أكثر من البعوضة، انها البعوضة احقر الكائنات التي يمكن ان ندعسها دون التفاتة لكن ارني نايس يدعو الى احترامها و هنا بالضبط تتميز الايكولوجيا العميقة عن الايكولوجيا السطحية التي تدعو الى احترام الكائنات الاخرى لانها مهمة لحياتنا دون أن تنتقد النرجسية البشرية، فتختزل مسألة البيئة في أمور تقنية مثل الحد من انبعاث الغازات، ارني نايس يقر أن البعوضة حياة وهذا سبب كاف لاحترامها، و يدعو للخروج من التمركز حول الذات الى التماهي مع الحيوات الاخرى.. قد يبدو لحد الآن اننا بصدد نظرة صوفية للحياة لكن ارني نايس كان مناضلا ضد النازية ومناضلا بيئيا بمعنى أنه كان يحاول تنزيل رؤيته هذه على الارض، ان الايكولوجيا العميقة بما هي انقلاب جذري في رؤيتنا للعالم ستجعلنا نعيد تعريف المفاهيم، نستعيد الاقتصاد والسياسة، الاقتصاد ليس هو البورصات ولا الربح و الحفاظ على مؤشر نمو الشركات بل هو العلاقات التي تربطنا ببعضنا وبالأرض من أجل تحقيق حاجاتنا، لأجل ذلك فهو يدعو الى تشجيع الاقتصاديات المحلية التشاركية و الى الحرية والاستقلالية و اما الجماعة بالنسبة له فهي ليست بشرية محضة بل ان التشريعات والقوانين يجب ان تهتم اكثر بكل شركائنا على الارض..باختصار شديد ان الخروج من التمركز البشري يقضي على كل التمركزات التي تليه، وبرؤية جذرية كهذه سيتم الانقلاب على نظام الافتراس/الاستهلاك الذي يهدد الانسان والأرض.

في الختام أود ان اشير الى ان الايكولوجيا العميقة قد تبدو انقلابا على فلسفة الانوار وعلى النزعة الانسانية التي أعلت من شأن الانسان ،لكن في تصوري، نزعة انسانية كتلك التي يؤمن بها ادغار موران و يجعل انتماءنا لأمنا الاولى الارض من أهم أبعادها لا يمكن أن تتعارض مع الايكولوجيا العميقة، ولابد أن أشير الى انسانوية ادوارد سعيد كما يسميها والتي انتقد من خلالها انسانية الانوار التي انتجت المركزية الغربية، عنصران مهمان يرتكز عليهما ادوارد سعيد، أولا الانسان هو من يصنع تاريخه وثانيا إمكانات الانسان هي نفسها بغض النظر عن الديانات والاعراق والثقافات، في تصوري الانسان وان كان هو من صنع شروط تدمير بقائه وبقاء كل الشركاء على الارض فهو نفسه من يمكن ان يغيرالمعادلة، كما اننا لا يمكن أن نتصالح مع الأرض الا اذا تصالحنا مع أنفسنا ولا يمكن ان نتصالح مع أنفسنا الا اذا تصالحنا مع الأرض، وفي تصوري هذا الكائن الصغير الذي أغلق العالم يعلن ألا شيء سيكون بخير ان لم يولد على أنقاضه عالم جديد فإذا انتصرت البشاعة مرة اخرى فحتى إن نجونا من كورونا و طورنا مناعتنا الطبيعية أو انتجنا اللقاح فلن ننجو من كل الاخطار التي نراها بالعين المجردة ونغض عنها البصر، ان لم نطور مناعتنا الانسانية والايكولوجية ضد كل الأخطار التي تتهددنا، ان لم تكن لدينا ذاكرة فلن ننقذ الحياة التي نحلم بها ..تلك قوانين الطبيعة، وقوانين التاريخ.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *