أخر الأخبار
الرئيسية » أخبار الساعة » في زمن كورونا الباحث في الفلسفة والفكرالمعاصر ع.الحميد لخميس يكشف أزمَة المعْنى وراهنيّة الفلسفَة والفينومينولوجيَا أمَام نسْيَان عالَم العيْش

في زمن كورونا الباحث في الفلسفة والفكرالمعاصر ع.الحميد لخميس يكشف أزمَة المعْنى وراهنيّة الفلسفَة والفينومينولوجيَا أمَام نسْيَان عالَم العيْش

فور تنمية

 

ضمن  سلسلة حوارات تقترحها جريدة فور تنمية على زوارها مع مفكرين ومثقفين وأدباء ومن أجل فهم أكثر وأعمق للتغيرات التي عرفتها المجتمعات بعد تفشي جائحة كورونا .

نستضيف في الحلقة ال21 من حواراتنا الأسْتاذ الباحث في  الفكر والفلسفة المعاصرة عبد الحميد لخميس   الذي يرى أنه بتخلصنا من هواجس الانفعال وأشكال الفهم الساذج يمكننا فعلا أن نبني  علاقة صحية مع الموت ومع الزمن.

مرْحباً بالأسْتاذ والباحث في الفلسفة والفكر المعاصر عبد الحميد لخميس، أفْتَتحُ هذَا الحوَار الفكريّ معَك بتقْديمِ واجِب الشّكْر لكَ باسْمِي واسْم جريدَة فُور تنميَة.

بداية، لاحظنا أستاذ عبد الحميد، كيف أنّ “كورونا” أربكَت الكثيرَ من مسلّمات عيشِنا، مثلمَا أربكَت الكثيرَ من أدوَات نظرنَا وفهْمنَا لأنفسنا وللعالم من حولنا، هل في نظرك يمكن للفلسفة أن تقول لنا شيئا حول هذا الحدث؟ وهل نحتاج اليوم قبل التفكير في الحدث إلى إعادة التفكير في أدوات نظرنا إليه، لأنها قد لا تسمح لنا سوى أن نعمّره بما تحمله؟ وأيّ فهم تراه ممكناً لهذه التقلّبات؟

   أشكر لكم ابتداء هذه الدعوة الكريمة، وأثمن هذه المبادرة الفريدة التي أقدمتم عليها لما تتيحه للباحثين ـ وخاصة الشباب منهم ـ من فرص للتفكير والمساهمة في النقاش العمومي حول قضايا الراهن، والأهم في هذه المبادرة ما خطته من طريق تكاد تكون جديدة وغير مسبوقة في مشهدنا الإعلامي، طريق لا يسعنا إلا أن نسمها بالمبدعة، وقد تابعت حوارتكم السابقة مع زمرة من الأساتذة الباحثين وأغلبهم من الأصدقاء والزملاء، وقد جعلتني هذه الحوارات أزيد من قناعتي التي ما فتئت أكررها في أحاديثي ودردشاتي مع زملائي هؤلاء بأن الفلسفة بخير، وبأن مستقبل البحث الفلسفي ببلادنا واعد، ولاشك عندي أنه سيقدم لنا أسماء جديدة قادرة على مواصلة ما بدأه مفكرونا وأساتذتنا السابقون.

    بالعودة إلى سؤالكم، فلكي نتبين هل للفلسفة ما تقوله حول هذا الحدث؟ لابد أن نوضح ابتداء ما الفلسفة؟ بيد أن هذه المهمة عسيرة جدا إن لم تكن مستحيلة، وأنت تعلم أنه ما من فيلسوف إلا وطرح على نفسه السؤال: ما الفلسفة؟ ويبقى الجواب عنه نسبيا ومختلفا، ليس فقط من حقبة تاريخية إلى أخرى أو من مذهب إلى آخر، بل من فيلسوف إلى آخر. ومن وجهة نظري الخاصة، وهي على كل حال نابعة من التصور الذي أميل إليه في ما يخص “مفهوم الفلسفة”، وهو تصور يبقى وثيق الصلة بمجال اشتغالي وبحثي (الفينومينولوجيا عموما وهوسرل بشكل خاص)، أنه من الصعب جدا أن ننتج قولا يمكن حقا أن ندعوه “قولا فلسفيا” حول “حدث” مثل “كورونا”، لاعتبارات كثيرة لعل أبرزها أن الفلسفة ـ وهذا يبقى رأيي بالمعنى الذي وضحته آنفا ـ هي في الأصل انشغال بالإشكالات الخالدة وبالأسئلة المصيرية للإنسان، وانهمام بكل ما له صلة بالحدود القصوى وبما هو أبدي، أكثر مما هي انشغال بالظرفي والراهن والعابر، إنها، كما ظل هوسرل يردد طوال حياته، ليست مجرد “رؤية أو نظرة إلى العالم” [la philosophie comme vision du monde]. صحيح أن ثمة من لا يتفق مع هذا التصور بدعوى أن الفلسفة “بنت زمانها” كما يخبرنا هيغل مثلا، لكن حتى هذه العبارة كثيرا ما فهمت فهما غير سليم. طبعا ليس غرضي هنا أن أخوض في السجال حول ماهية الفلسفة وطبيعتها، وأن أعرض حجج كل طرف، ولكن غرضي هو أن أبين أن ثمة فعلا عقبة كأداء تواجه المشتغل بالفلسفة وهو يحاول أن “يقول” شيئا حول ما يعيشه العالم اليوم بسبب جائحة كورونا. لكن رغم ذلك يمكننا أن نقارب الموضوع شريطة أن ننظر فيه بوصفه “حدثا” بالمعنى الفلسفي لمفهوم الحدث، بمعنى آخر أن ننظر فيه بوصفه منطلقا لإعادة طرح ما أشرنا إليه آنفا حول الأسئلة الخالدة، كسؤال الموت والحرية والزمن والمصير والسعادة… إلخ؛ ذلك أن هذه الأسئلة الخالدة التي تطرحها الفلسفة وتفكر فيها منذ نشأتها تتولد ـ في جانب من جوانبها ـ من المجرى التاريخي الفعلي لحياة البشر، ولكنها سرعان ما تتخلص من هواجس الظرفي والعابر لتتلبس لبوسا أبديا، فهل كان بمقدورنا أن نتصور مثلا فلاسفة القرن العشرين وما قدموه من فلسفات أصيلة لولا “أحداثا تاريخية” تحولت في ما بعد إلى “أحداث فلسفية”؟ عبثية الحرب وسيادة التقنية وأشكال الاستلاب الجديدة وهيمنة البيروقراطية ونكوص الديني… وغيرها، أحداث لا يمكن للفلسفة المعاصرة أن تكون من دونها، ولهذا الاعتبار؛ فإن ما بات يعرف اليوم بفيروس كورونا المستجد، وما خلفه من آثار، وما خلقه من أحداث وظواهر، يملك في نواته، ما يجعله باعثا على التفكير في الأسئلة الخالدة والحدود القصوى؛ ولذلك فأنا أتفق معكم من هذه الزاوية أننا سنكون أمام موضوع جدير بالتفكير والتأمل. إن نحن نظرنا إلى هذا الحدث في ما يبعثه من أسئلة أونطولوجية تتجاوز حدود الأنثروبولوجي.

         بناء على ما سبق؛ يبدو لي أننا ـ وهنا أعود إلى الشق الأخير من سؤالكم ـ لسنا في حاجة إلى إعادة النظر في آليات تفكيرنا بقدر ما نحن في حاجة إلى إعادة تشغيل ملكات النظر والتفكير وإعادة النظر في طرق تفكيرنا “اللافلسفية” إن جاز هذا التعبير. بمعنى آخر لابد أن نتخلص من أشكال التفكير “الساذجة”  و”المشبعة بالأحكام المسبقة” من جهة، كما يجدر بنا أن نحفظ للتفكير الفلسفي حدوده وخصوصياته، وبالتالي نحفظ له هويته، ونبقي على المسافة قائمة بينه وبين أنماط أخرى من التفكير (السوسيولوجيا، السيكولوجيا، العلوم السياسية…)، أنا على وعي بأن هذا الكلام قد لا يعجب الكثيرين من أولئك الذين يدافعون عن تداخل الحقول المعرفية، ولكن في نظري أنه رغم ما قد يبدو من تداخل للحقول المعرفية والمقاربات والمناهج… إلخ، إلا أن كل ذلك لا يمنع من الحديث عن خصوصية محفوظة للتفكير الفلسفي تبقى عصية عن أي هجانة. وفي هذا السياق تبدو الفينومينولوجيا مفيدة جدا ـ ولعلك تعلم أن الفينومينولوجيا في عمقها هي منهج أكثر مما هي مذهب ـ أقول مفيدة لهذه الاعتبارات المنهجية بالضبط: “العودة إلى الأشياء ذاتها” وهو شعارها الرئيس، “تعليق الحكم” و”التخلص من كل موقف ساذج في التفكير”… وغيرها من المفاهيم الكبرى في الفينومينولوجيا التي قد تسمح لنا بإنزال هذا الحدث منزلته الطبيعية والعادية بعيدا عن أي انفعال سيكولوجي أو نسبانية أنثروبولوجية أو تخندق إيديولوجي أو تهويل إعلامي…

     أشرتم في سؤالكم إلى الإرباك؛ إرباك مسلمات عيشنا وأدوات فهمنا، أنا أتفق معكم شريطة أن نفهم الإرباك هنا في بعده الفلسفي الذي هو “الدهشة” أو “القلق”، لا في بعده السيكولوجي الانفعالي، ففعلا هذا الحدث أحيا الكثير من “منسياتنا الفلسفية”، وجعلنا نعيد النظر في الكثير من المفاهيم من قبيل الموت والزمن والمعنى والآخر والدولة… ربما سيأتي النقاش حولها لاحقا.

يظهر أنّ ثمّة هزيمَة، أو على الأقل شعورا بها تسرّب عميقا في النفس البشريّة، ويظهر أنّ هذه الهزيمَة مأتَاهَا عجزُنا على بناء علاقَة صحّية مع الموت والزمن، إذ إنّنا لا نموت بقدر ما يموت “الآخر”، وحينَ دقّ خبر الموت أبوابنا بتْنا أشْباهَ أموات ونحن نحيَا “يوميّات كورونا” بأيّ معنى يمكن للفلسفة على سبيل المثال أن تنتشل الإنسان من مرثيّات الموت وأوجاعه الحزينة إلى التمرّن عليه بوصفه تراجيديا حَيّة تفترضها طبيعة الكائن وتتأسّس عليها؟

    أشكر لك طرحك هذا السؤال الوجيه لأنه فعلا يحيلنا على ما أشرتُ إليه سابقا حول الأسئلة الخالدة؛ ذلك أنه بتخلصنا من هواجس الانفعال وأشكال الفهم الساذج يمكننا فعلا أن نبني كما أشرتم علاقة صحية مع الموت ومع الزمن. ربما أنت تعلم أن الفلسفة تحددت مع أفلاطون ـ في شكلها الأرقى ـ بوصفها تدربا على الموت، (يتطلب منا هذا الموضوع كلاما طويلا ويقتضي الكثير من الإيضاح لهذا التعريف من داخل المتن الأفلاطوني نفسه، لكن لا يتسع المجال ها هنا لأمر جلل كهذا)، ولعلك تعلم أيضا التصورين الرواقي والأبيقوري الجسورين حول قضية الموت، وفلسفات أخرى كثيرة كفلسفتي شوبنهاور ونيتشه …إلخ. لكن الذي يهمني هنا هو التعريج على التصور الفينومينولوجي لسبب وجيه وهو أنه ينسجم مع ما عبرت عنه من “قناعات” في مدخل هذا الحوار؛ وقد يفيدنا مارتن هايدغر وإيمانويل ليفيناس كثيرا في هذا المضمار.

     صحيح ما قلتموه عن الشعور بالهزيمة أمام جائحة كورونا، ولكن ما سبب ذلك؟ في نظري سببه هو سيادة ما سميته ب”الفهم الساذج”. وبالمناسبة هو الفهم الذي سعت الفينومينولوجيا منذ هوسرل إلى تقويضه. هذا الفهم الساذج هو الذي لا ينزل الأشياء والظواهر والأحداث منزلتها الطبيعية والعادية؛ فهو إما يبالغ في تهويلها أو على العكس من ذلك يبالغ في الاستهتار بها، وكل ذلك يكون في منأى عن أي تفكير سببي. أما حينما “نتخلص من هذا الفهم الساذج” و”نضع أحكامنا بين قوسين” و”نعود إلى الأشياء ذاتها” فإننا نبني علاقة أخرى مع الموت، وبالتالي مع الزمن ومع الآخر؛ وهي ما اصطلحتم عليها ب”العلاقة الصحية”.

   الموت بالنسبة إلى الإنسان ليس مجرد مشكلة إنما هو سرّ. ولابد أن أشير ها هنا إلى الفرق بين المشكلة والسرّ، فالأولى شيء براني يلتقي به المرء من الخارج ويحاول مواجهته. أما السرّ فهو شيء من صميم جوانيتنا يتلبس بنا ويسكننا من الداخل، ويغلف بغموضه صميم وجودنا، ولذلك فنحن لا نملك أن ننظر إليه من الخارج فقط، لأننا مرتبطون به ومندمجون فيه. وبهذا المعنى يمكننا أن نقول إن الموت سرّ لا يكاد ينفصل عن صميم وجودنا، مادام وجودنا زمنياً متناهياً يسير حتماً نحو الفناء..

    لمواجهة هذا السر ومحاولة فهمه يمكننا أن نستحضر هنا هايدغر، ولا يخفى عليك أن هايدغر قد بث روحا جديدة في الفينومينولوجيا، تتجلى بالأساس في الانفتاح على أسئلة المعيش الحي وعلى زمنية الموجود الإنساني  وبالتالي اكتشاف مفهوم الغير، وهذا أمر هام جدا سيفيدنا لا محالة في فهم هذا الثالوث الذي انطوى عليه سؤالكم (الموت، الزمن والآخر).

  تتجلى أهمية الأونطولوجيا الهيدغرية في التأكيد على أن الموت هو إحدى البنيات الأساسية للوجود، إنه كيفية من كيفيات وجود الكائن الإنساني في هذا العالم، فالكائن الإنساني وُجد ليموت  Être-vers-la-mortوالإنسان وحده الذي لديه الإمكانية أن يفكر في الموت وأن يأخذ موقفاً أمامه؛ ذلك أنه الكائن الوحيد الذي يعرف أنه سيموت. الموت إذن؛ هو أحد أهم المؤشرات على أهمية الزمن، ففي تجربة الموت تكمن أهمية الزمن وتقترن هذه التجربة عضويا بتجربة القلق (لابد أن نشير مرة أخرى إلى أن هذه المفاهيم الهيدغرية لا صلة لها بما هو سيكولوجي أو أخلاقوي)، إن تجربة الموت تعكر صفو الحياة وتجدد القلق وتجعله ملازما لحياة الإنسان، ولكل هذه الاعتبارات يرى هيدغر أن الموت “ظاهرة يجب فهمها أونطولوجيا” بعيدا عن أي مقاربة سيكولوجية أو أخلاقوية معيارية، الموت إذن؛ ليس مجرد حادث يطرأ على الحي، بل إن الحي يحمل الموت في أحشائه وبين جوانحه منذ أن بدأ حياته. وفي الموت يتم الشعور بالفردانية إلى أقصى درجة؛ إذ يشعر من يموت أنه يموت وحده ولا يشاركه في موته أحد.

    بيد أن ليفيناس (وهو من التلاميذ الكبار لهوسرل وهيدغر) سيذهب بتحليلات هايدغر منحى آخر، وسيضفي عليها طابعا إيتيقيا سيفيدنا كثيرا في مقاربة سؤالكم؛ فالموت في نظره هو ما يجسد أصالة الوجود وحقيقته، أو كما يقول: إنه “حدث الوجود ذاته”؛ ذلك أن تجربة الموت لا ترتبط فقط بالحاضر أو بالماضي وإنما كذلك بالمستقبل، إذ يتوجب دائما الاستعداد له بقدر الخوف منه، ذلك أنه مصير مجهول، والاقتراب من الموت هو أحد أشكال العلاقة بالآخر، (وهنا أهمية ليفيناس البالغة)، وهو ما يولد الإحساس بالمسؤولية تجاه هذا الآخر. إن الشعور بالمسؤولية تجاه الآخر يبلغ ذروته في تجربة الموت، والشعور بالقلق وفكرة الموت يسهمان بدرجة كبيرة في حرصنا على إيتيقا الغيرية. أنت ترى إذن كيف أن هيدغر نظر إلى الموت نظرة أونطولوجية، وجعل العلاقة الأساسية للكائن مع الموت؛ حيث نموت وحيدين (موت الدازين لوحده)، بينما العكس تماما عند ليفيناس؛ إذ نظر إليه نظرة إيتيقية؛ إذ إن الموت لا يفهم إلا من خلال العلاقة الإيتيقية بالغير، وذلك من خلال الشعور بالمسؤولية تجاهه، وواجبنا نحوه هو ألاّ نتركه يموت وحيدا، وأن نقف معه وإلى جانبه أمام سر الموت. وحتى مفهوم القلق عند ليفيناس يتخذ معنى مغايرا لما هو عند هيدغر؛ فإذا كان القلق الهيدغري من الوجود ومن الموت؛ موت الدازين الذي يموت متفردا والذي لا يزيده قلقه إلا عزلة وانزواء، فإن القلق الليفيناسي هو قلق على الإنسان الآخر، أو بعبارة أدق قلق على وجه الآخر (وأنت تعلم ما صار يتعرض له الوجه في زمن كورونا من حجب وإخفاء)، الأمر الذي يدفعنا إلى تحمل المسؤولية أمام هذا الوجه، ويشعرنا بأننا لا نموت لوحدنا، بل إن تجربة الموت لا تفهم إلا في إطار العلاقة مع الغير؛ ذلك أن موت الغير يتهمني ويضعني موضع سؤال فيلزمني بتحمل المسؤولية، وعدم تركه يموت وحيدا. ومن المؤكد أننا أمام هذه الجائحة وجدنا أنفسنا أمام الطرحين معا الهايدغري والليفيناسي؛ أي أن تجربة القلق بقدر ما  خلقت فينا هذا الشعور الحميمي بالذات وعمقت عزلتنا خلقت فينا كذلك الشعور بالمسؤولية تجاه الغير باعتباره أيضا شريكا في المحنة، (وهذه إحدى المفارقات الكبرى التي سبق أن تعرضت لها في مقال سابق حول كورونا).

    اعتاد الفهم الساذج أن ينظر إلى الموت كما لو كان هو أوج عملية النضج المستمر التي تتحقق عبر مراحل الطفولة والصبا والشباب والكهولة ثم الشيخوخة. غير أن وضع هذا الفهم الساذج بين قوسين يجعلنا ننظر إلى الموت نظرة أخرى؛ فهو لا يشبه سقوط الثمرة الناضجة. وفناء الإنسان لا يشبه حصد الزرع أو قطاف الثمار، ذلك أن الإنسان مهدد بالموت في كل لحظة من لحظات حياته، فبمجرد ما يأتي إلى العالم يشرع في موته. وكم من الناس صرعهم الموت وهم لم يتموا النضج أو الاكتمال، وبالمقابل كم من الناس تجاوزوا فترة النضوج  ولم يأتهم الموت إلا بعد فوات الوقت المناسب إن جاز هذا التعبير.

الموت إذن ليس أوج الحياة وقمتها، ولا يعّبر عن اكتمال أو تحقق مشروع ما، وليس توقفاً للحياة، بل وربما ليس نقيضا لها، ذلك أن الحياة تنطوي على الموت منذ البداية، وإنما الموت هو أسلوب في الوجود لا يكاد ينفصل عن حياة الموجود البشري. ولهذا يقول هيدجر:« إن هذا الوجود هو بطبعه وجود لفناء أو وجود للموت. فبمجرد أن يولد الإنسان يكون ناضجاً للموت». معنى هذا أن موتي ليس تعبيرا عن فكرة النهاية، وليس واقعة تظهر في ختام حياتي، بل هو واقعة ماثلة في صميم حياتي في كل لحظة، واقعة لا تكاد تنفصل عن فعل وجودي نفسه. ولهذا السبب بالذات يشكل الموت إمكانية من إمكانيات الوجود الإنساني.

    ما الذي يمكن أن نحتفظ به من هذا الكلام في صلته بكورونا؟ الأهم في نظري هو أن الفلسفة في تعاطيها مع قضية الموت فهي تنأى عن “الفهم الساذج”، وتنظر إليها كمقوم من مقومات الوجود الأصيلة، وهي تسعى كما أشرتم في سؤالكم إلى محاولة انتشال الإنسان من مرثيّات الموت وأوجاعه الحزينة، وبالتالي إلى تمرينه عليه بوصفه تراجيديا حَيّة تفترضها طبيعة الكائن وتتأسّس عليها، وبالتالي تخليصه من أشكال الهلع والجزع السيكولوجية والانفعالية وتعيد ترتيب علاقته بالزمن؛ وخاصة مصالحته مع حاضره الذي يستحق أن يعاش كما هو عليه؛ الحاضر الذي يظهر أمامنا في كل لحظة وحين، وما يفتأ يظهر ويعاود الظهور. الفلسفة تحاول أن تضعنا أمام “الحقيقة العارية للموت”، وأن تسلحنا بالشجاعة على مواجهة مصيرنا باقتدار، لكن لا ينبغي أن يُفهم من هذا الكلام أن نرتمي في أحضان العبث والاستهتار بمخاطر الوباء، ولا أن ننصرف عن حياتنا اليومية والعادية التي هي عالمنا الأول والأصيل. وما قلناه مثلا عن هيدغر لا يعني أن الرجل يدعونا إلى التهرب من أعمالنا العادية، والانصراف عن مهامنا اليومية؛ بل إننا  نراه يقر على العكس من ذلك أنه لا بد للإنسان من أن يشحذ كل قواه وملكاته، ويعي كل إمكانياته، للاضطلاع بالمسؤولية الملقاة على عاتقه. ولكن الأهم عنده هو ألّا تستنفذنا هذه المشاغل العادية فتستأثر بفكرنا وبالتالي تصرفنا عن التفكير في الموت وما يرتبط به من مفاهيم أخرى على رأسها الزمن، أي أنه لا يريد منا أن نكون فريسة لخداع المشاغل الزائفة التي تحجب عنا إدراك المعنى الأصيل لوجودنا، والمدخل إلى ذلك هو ضرورة أن ننتبه إلى أن الموت جزء لا يتجزأ من حياتنا. ولذلك لابد للإنسان من أن يعيش تجربة القلق (بالمعاني التي أوردناها) لينتبه إلى حقيقة الوجود، وألاّ يسقط في إسار الدوكسا وبراثن الحياة اليومية الزائفة، ذلك أن تجربة القلق هاته تدفعه إلى العودة إلى ذاته وتوقظه من سباته ليفكر في “إمكانية الاستحالة”؛ أي في الموت. وأظن أنه من “حسنات” كورونا أنها قد تبعث فينا هذا اليقظة شريطة التسلح ولو ببعض آليات التفكير الفلسفي، التي تخلصنا من أوجاع الانفعالات الحزينة والفهم الساذج وشرك الأحكام المسبقة.

وأنت تتحدث عن الفهم الفينومينولوجي لهذه القضايا المتعلقة بالموت وبالزمن والآخر، تبادر إلى ذهني سؤال يتعلق بقضية إدراك الذات والعالم، ونحن نعلم ما يحتله مفهوم الإدراك في التقليد الفينومينولوجي، كيف يمكنك الأستاذ عبد الحميد أن تقرأ في ضوء مستجدات كورونا علاقاتنا الإدراكية لذاتنا وللعالم؟ ألم تخلخل كورونا نمط إدراكنا هذا؟

     صحيح أن كورونا قد خلخل الكثير من العادات التي تشربناها في علاقتنا بذواتنا وبالعالم بدءا من احتياطاتنا من لمس أي شيء ثم الاختلاط مع الغير وتغطية الوجه… إلخ، وصحيح أيضا أن مفهوم الإدراك يحتل مكانة بارزة في هذا التقليد الفينومينولوجي، بل إن هناك مؤلَّفا رئيسا لميرلوبونتي تحت عنوان “فينومينولوجيا الإدراك” والحديث عن الإدراك يجرنا عموما إلى الحديث عن قضية المعرفة، وأنت على علم بالسجالات الفلسفية الطويلة حول هذه القضية، وما يترتب عنها في ما يخص علاقة العقل بالحواس. وعموما تظل الحواس مصادر هامة جدا في إدراكنا للذات وللعالم حسب الطرح الفينومينولوجي، إنها نافذتنا على هذا العالم. غير أن تأملا متأنيا سيجعلنا ندرك أن أكثر الحواس التي نوليها أهمية ربما هي البصر (حتى أفلاطون كان قد أقر بذلك في حديثه عن أسطورة الكهف في محاورة الجمهورية)، ويليها السمع، ثم الذوق والشم، وأخيرا اللمس. وهكذا فالغالب على تصوراتنا على ما يبدو هو إنزال حاسة اللمس منزلة دنيا مقارنة بالحواس الأخرى، فإذا كان الشخص مخيرا بالإبقاء على حاسة واحدة من حواسه، ففي غالب الأحيان لن تراه يختار اللمس، والحال أن الأمر فيه حيف؛ ذلك أن حاسة اللمس ترتبط ارتباطا وثيقا بالجلد الذي يغلف أجسامنا من كل ناحية، ونحن لا نستطيع أن نخرج من جلدنا، والجلد هو أول ما يتعرض من جسمنا إلى المؤثرات الخارجية، والجلد به مستقبلات سطحية تستشعر الضغط الخفيف، ومستقبلات عميقة تستشعر الضغط القوي، وكل مستقبل تنشأ عنه سيالة عصبية تُنقل عبر الألياف العصبية فتُترجم على مستوى الباحات العصبية الموجودة في المخ، فيستطيع هذا الأخير أن يتعرف على نوع أو طبيعة الحساسية الشعورية ويميزها، كأن يميز مثلا الحرارة عن البرودة، والنعومة عن الخشونة… واللمس هو الحاسة الوحيدة التي تنقل السيالة العصبية عبر الألياف الموجودة بالنخاع الشوكي، فهي إذن أكثر الحواس شمولية.

         لكن بعيدا عن هذه المعطيات العلمية، ومن الناحية الجمالية، ربما حاسة اللمس هي أكثر حواسنا حميمية؛ فبفضلها نستشعر وجودنا في كل لحظة وحين، بها نتعرف على هويتنا كل صباح حين نستيقظ من نوم هادئ أو مضطرب، باللمس نصافح غيرنا ونحضنه ونعانقه ونعبر له عن حبنا، كما قد نصفعه، اللمس أكثر حميمية في علاقتنا الجنسية، إذ لا يمكننا تصور هذه العلاقة من دون جلد وهو يلامس جلدا آخر، وحتى في الاستيهامات الجنسية التخيِيلية لا تسقط هذه القاعدة، فإذن نحن كائنات جلدية لا تستطيع أن تخرج من جلدها، بل إننا نخرج من جلد ونولد منه، بعدما يدخل الجلد في الجلد. لكن مع كورونا كأننا أمام فيروس يحاول أن يرغمنا على أن نخرج من جلدنا، وأن ننفصل بالتالي عن ماهيتنا، لكن هيهات ثم هيهات إننا ننفصل لنتصل، ننفصل عمّا هو براني أي عن العالم الخارجي وعن الأغيار، ولكن نرتد نحو جوانيتنا وغورنا لنكتشف أصالتنا، ونستشعر كينونتنا، ونصغي لأتاوينا البعيدة وقعرنا السحيق، وفي هذا الارتداد نحو الذات فائدة عظيمة، فربما ـ وأمام الفائض من الوقت الذي أصبح أمامنا والذي لم نكن نعيره اهتماما ـ يدفعنا ذلك إلى تشغيل ملكة “النظر” والتأمل، التي مع الأسف لم تنبت في ثقافتنا منذ عصر الانحطاط، اللهم بعض الحالات المعزولة التي هي مجرد انفلتات جاد بها الزمن علينا دون أن نقدرها حق قدرها.

شهد الفكر المعاصر الكثير من المراجعات النقدية لفتوحات العصر الحديث، لاسيّما نداء ديكارت بشأن السيّادة على الطبيعَة. لننتبه في هذا الباب أنّ “المعرفة الموضوعيّة” (العلمية) لم تكن ممكنة إلاّ بعد ميلاد الذاتيّة (الفلسفة الديكارتية)، أفكّر طبعاً في نصّ هوسرل “أزمة العلوم الأوربيّة”، ولقد مسّ النّقد ذاك في جزء مهم منه علاقة الإنسان بالكينونة وبالعالم، ومن ضمْن ما نبّه له كثير من الفلاسفة هو أن تحويل “العلم” للكائن والكون إلى مجرّد خواصّهما وجزيئَاتِهما، بصفتهما “موضوعاً” للدراسة، قد أدّى إلى إفقادهما دلالاتهما الحيّة المباشرَة والتلقائيّة، فبأي معنى أستاذ عبد الحميد يمكن أن تشكّل “الحياة كما هيَ” (الحياة كانكشاف وانجلاء) أفقا إنسانيّاً للبشريّة، يحفظ للعلم قيمته، لكن من دون أن يسمح له بالهيمنة الكلية على الحياة، حتّى لا تصير مجرّد حساب وعلاقات رياضية؟ أسألك، وأنا أستحضر هاءات الفكر الألماني وعودتهم النقدية الرهيبَة إلى انبثاق الزمن الحديث مع ديكارت ومآلات استعماله، خصوصاً ما أنجزه في هذا السياق كل من هوسرل، وهايدغر، وهابرماس؟ و في السيّاق نفسه، سياق ما أفرزته “كورونا” من أسئلة حقيقة بخصوص الإنسان والعالم وأزماتهما، كيف ينظر عبد الحميد لخميس إلى سؤال “المعنى” في ظلّ هذه التحوّلات؟ وهل سنلج حقاّ عصْر خراب نفسيّ وروحيّ لأنّنا لم نتعوّد بعد على “آداب العيش” كما قرّرتها كورونا اليوم؟

سؤالك هذا طبعا يحتاج في الواقع إلى بحث أكاديمي بما في الكلمة من معنى. في معرض سؤالك أشرت إلى هوسرل ومؤلفه الأخير “أزمة العلوم الأوربية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية”، الذي صدر قسم منه سنة 1936 ببلغراد، ولم ينشر بكامله إلا سنة 1954. ولا شك أنك تعلم أن هذا الكتاب بلغ فيه هوسرل قمة النضج وهو ينتمي ـ كما يعرف المختصون ـ إلى المحطة الثالثة والأخيرة من مساره الفكري التي يمكن وصفها بمحطة الفينومينولوجيا التكوينية أو التقّومية، (لا داعي للدخول في التفاصيل)، والأهم في هذا العمل أنه يقدم الفينومينولوجيا بوصفها الفلسفة القادرة على إخراج الثقافة الأوربية من أزمة المعنى والتوجه، التي ترجع إلى سيطرة العلوم الحديثة والنزعة الموضوعية المرتبطة بها، وهو بذلك يبرز بوضوح علاقة فينومينولوجيا هوسرل بقضايا العالم الراهن.

ليس المقام هنا طبعا لأخوض في تفاصيل هذا العمل وسياقاته المعقدة والمتشعبة، ولكن الأهم في نظري هو الرهانات الكبرى التي يروم بلوغها، لكن دعني في البداية أشير إلى مسألة بالغة الأهمية؛ وهي أن النقد الهوسرلي للعلوم الوضعية وللنزعة الموضوعية لا يعبر أولا عن موقف عدائي تجاه هذه العلوم؛ بل إن هوسرل كثيرا ما أشاد بهذه العلوم وبعض منجزاتها، وثانيا فهو نقد لا يصدر أبدا عن وجهة نظر قيمية معيارية، ولا عن وجهة نظر تاريخية، ولا عن وجهة نظر إبيستيمولوجية حتى، وإنما هو نقد فينومينولوجي بمعناه الدقيق. وعلى هذا الأساس وحتى أعود لسؤالك حول الديكارتية ورهان السيادة على الطبيعة، فلن نجد عند هوسرل نقدا معياريا مثلما قد نجده مثلا عند ميشيل سير أو مدرسة فرانكفورت أو غيرهم؛ أولئك الذين اشتغلوا على النقد ولكن في أفق معياري، بل إننا نجد عنده تحليلا فينومينولوجيا رصينا لنشأة العلم الوضعي (مع التركيز بالخصوص على العلم الجاليلي) وتطوراته ومآلاته التي انتهت إلى ما يسميه هوسرل ب”نسيان عالم الحياة أو عالم العيش”.

 تتجلى أزمة العلوم، حسب هوسرل، في إقصائها للأسئلة الأساسية الحاسمة والمصيرية بالنسبة إلى الإنسان، أقصد الأسئلة التي تتعلق بمعنى الوجود البشري. إن علوم الطبيعة لا تطرح هذه الأسئلة، لأنها تقوم على استبعاد كل ما هو ذاتي. وحتى العلوم الإنسانية، التي يفترض فيها أن تهتم بالوجود الروحي للإنسان في تاريخيته، فإنها هي الأخرى ـ وبسبب اقتدائها بالنموذج العلمي للعلوم الوضعية ـ أقصت هذه الأسئلة الحاسمة بالنسبة إلى الإنسان. واضح إذن أن مقتضى العلمية حسب منظور العلوم الوضعية والذي يقتصر على مراقبة الوقائع وتسجيلها، سواء كانت هذه الوقائع متعلقة بالعالم الفيزيائي أو الروحي، قد غيب كل ما له صلة بما يسميه هوسرل ب”عالم الحياة” أو “عالم العيش” الذي هو عالم التجارب الحسية والبداهات المباشرة والممارسات اليومية، أو بعبارة جامعة هو عالم الحدس، أو ما سميته أنت في سؤالك ب “الحياة كما هيَ” أو الحياة بوصفها انكشافا وانجلاء. وهكذا صار عالم العيش هذا هو منسي العلم الوضعي، وكل ذلك جعل العلوم الحديثة عاجزة عن مساعدة الإنسان في إعطاء معنى لوجوده وفعله، وعن توجيه حياته الفكرية والعلمية. وهكذا فالأزمة المقصودة لا تقتصر فقط على العلم بل هي أزمة شاملة تمس كل مستويات الحياة الإنسانية النظرية والعملية.

العلم الوضعي تحول في نهاية المطاف إلى عمل تقني يشتغل على رموز ويستخدم قواعد صورية للتفكير، وهكذا فإن المعاني والدلالات الأصلية للأشياء تختفي وراء رموز فارغة يمكن أن نشتغل عليها وأن نجري عليها عمليات متعددة، دون أن نتساءل عن مضمونها، وبذلك تحول التفكير العلمي إلى نوع من الحسابات يتم إجراؤها بكيفية صورية على رموز وقضايا فارغة من أي مضمون، فيصبح التفكير العلمي شبيها بالنشاط التقني الحرفي الذي يقوم على العادة والدُّربة والمران أكثر مما يقوم على التأمل والإبداع. وأستحضر في هذا السياق كيف أن هوسرل كان من السباقين إلى بيان العلاقة القائمة بين العلم والتقنية؛ فهي أعمق مما يُعتقد عادة، إذ إن التقنية ليست مجرد تطبيق للعلم، بل إن الروح التقنية تسود العلم ذاته، ومن هذا المنطلق تكون العلوم الحديثة في عمقها علوما تقنية، وما يعزز ذلك هو ارتباط الطابع التقني لهذه العلوم بطغيان الجانب الكمي أولا، إذ اختزلت المعرفة العلمية في الحسابات الرياضية والصياغات الكمية والأكسيوماتيكية، ثم طغيان الجانب المنهجي ثانيا (وهذا له طبعا صلة وثيقة بالجانب الأول)، وينبغي أن نفهم المنهج هنا بوصفه مجموعة من القواعد والإجراءات التي إذا ما طبقناها بمهارة سنتمكن من إحراز نجاحات مهمة واكتشافات جديدة، ولكن دون أن نعرف بالضرورة معناها وأسسها الأصلية، ودون أن نفهم المبدأ النظري الذي يؤسس هذه النجاحات وتلك الاكتشافات.

هذا الطابع التقني للعلوم الحديثة (لا بد أن ننتبه إلى أن هوسرل لا يربط نقده للطابع التقني للعلم بأي نقد للتقنية، فلحد الآن لا يعرف ضمن النصوص الأساسية المنشورة لهوسرل أي نص ينتقد فيه التقنية، أو على الأقل يشير إلى سلبياتها)، قلت إن هذا الطابع التقني للعلوم الوضعية تحول إلى نمط عام في التفكير وفي الممارسة، وهو الذي أدى إلى نسيان عالم العيش، وبالتالي كان هو السبب الرئيس في هذه الأزمة، حيث تم إقصاء العالم الحي والذاتي النسبي الذي هو عالم الحياة، وبإقصاء العلم الوضعي لهذا العالم يكون ضمنيا أقصى الفلسفة؛ وهذا هو المقصود من عبارة هوسرل: “نسيان عالم العيش”

هناك عبارة شهيرة لهوسرل مفادها: “علينا أن نعيش فلسفيا”، وهي عبارة ستفتح أمامنا الطريق لفهم الرهانات الكبرى من النقد الهوسرلي السالف الذكر؛ ومعنى ذلك أننا لابد أن نعيش وفق حس نقدي وأن نكسر منطق العادة والتقليد حتى لا نضيع في لج سحيق وحتى تستعيد حياتنا معناها، ولذلك يدعونا إلى الانتباه إلى أن أي إزاحة للفلسفة هي في عمقها إزاحة لإمكانية أن نعيش فلسفيا، أي أن نعيش بحس نقدي وبعقل حر، وبالتالي فهذه الإزاحة ستكون سببا في خراب المعنى وفقدان التوجه في حياتنا المعاصرة. وأظن أن هنا بالضبط تتجلى وظيفة الفلسفة الخالدة لأنها لا تستقيل ولا تستسلم. والدليل أن العلم الوضعي الحديث ورغم نجاحه الباهر ورغم “تهديده” لهذه الثقة في الفلسفة استطاعت أن تصمد وتتقوى حتى بعد أن تم رفع السحر عن العالم إن جاز هذا الوصف.

الأهم في النقد لهوسرلي أنه كان من السباقين إلى التنبيه إلى أزمة المعنى والتوجه التي دخلتها الإنسانية، ولا شك أننا اليوم نعيش هذه الأزمة بشكل أكثر عمقا وخطورة بعد الأحداث التاريخية الكبرى التي تلت الحرب العالمية الثانية. حيث خسوف المعاني الكبرى وشعور الإنسان بالضياع في مجتمع الاستهلاك والاستلاب. وهذا ما يعطي للفلسفة شرعيتها وراهنيتها؛ إذ إنها مطالبة بأن تعمق هذه الأسئلة وتكشف عن المنسيات وتفضح الأوهام الغافية المحدقة بالإنسانية.

دعني أقدم لك بعض الأمثلة التي قد تسعفنا في فهم أزمة المعنى والتوجه هاته ربما قد أجاد هايدغر توصيفها لمّا تحدث عن عصر الخبراء  les experts، فنحن اليوم لم نعد أمام علماء بالمعنى النبيل لهذه الكلمة أو أمام شعراء وفلاسفة… بل أصبحنا نتحدث عن الخبراء في كل مجال من المجالات، وقد كان هوسرل انتبه إلى ذلك مبكرا حينما تحدث عن آفة التخصص والشذرية التي تطبع الفكر والممارسة العلمية الوضعية، والتي تغيب كل ما له صلة بالكلي وبالأسئلة الكبرى والمصيرية، والتي حددها في نسيان عالم العيش. فلننظر على سبيل المثال إلى مفهوم الطبيب المعاصر، فهو يختلف تماما عن مفهوم الطبيب القديم، هذا الأخير الذي كان يتعامل مباشرة مع المريض بوصفه إنسانا يعيش في عالم حي، بينما الطب الحديث، وأمام هيمنة العقلية التقنية، سيتحول إلى حرفة تهيمن عليها المؤشرات والحسابات الكمية… كما سيتغير مفهوم الطبيب نفسه إلى خبير بحكم الدربة والمران والتكرار، وبالتالي سيتم نسيان الوضعية الحية للمريض، وبحكم هيمنة التخصص سنجد أنفسنا أمام عدة خبراء يعالجون مريضا واحدا، إلا أنه في العمق لا أحد منهم مسؤول بكيفية مباشرة عن المريض، (طبعا لا ينبغي أن نفهم أن هوسرل يعادي الطب الحديث ويدعو على العودة إلى الطب القديم، لا أبدا ولكنه ينبه إلى نسيان العالم المعيش). والأمر نفسه مثلا في الاقتصاد أو في السياسة أو في التعليم… ففي الاقتصاد مثلا أصبح الاهتمام فقط بالمؤشرات والجداول وقيم البورصة… بدل الاهتمام بكيفية تحسين ظروف عيش الناس الفعليين في العالم المعيش، وهكذا تحول الإنسان إلى مجرد أرقام ومعطيات إحصائية، أو ما كان يسميه بول ريكور ب”الزبون”. في السياسة مثلا أصبحنا أيضا أمام خبراء وتكنوقراط سجيني التقارير والدراسات ولا صلة لهم بالعالم الحي والفعلي للبشر، ولم نعد اليوم أمام مفهوم “السياسي” بالمعنى العميق لهذه الكلمة، الذي يحمل تصورا حول مفهوم السياسة وما يرتبط بها من مفاهيم أخرى.

تسعفنا هذه الأمثلة أعلاه على تبين مكامن أزمة المعنى والتوجه التي أحكمت قبضتها على وجودنا المعاصر، والتي ربما صرنا نستشعرها اليوم أكثر من أي وقت مضى بحكم هذه الظرفية العصيبة التي أدخلتنا فيها كورونا، والتي أرى فيها شخصيا فرصة لإعادة بعث هذه الأسئلة الحاسمة والقصوى التي ربما يكون قد طواها النسيان. ولا أخفيك سرا أنني لست من المتشائمين ولا أرى شعورا بالخراب والدمار الروحي والنفسي الذي أشرت إليه في سؤالك، ذلك أن مرد هذا الشعور كما بينتُ من قبل إلى سوء الفهم وإلى إنزال هذا الحدث منزلته غير الطبيعية وغير العادية، بل إني أرى في كورونا وقفة استراحة للإنسانية المعذبة من أجل أن تعيد النظر في كيفية عيشها اليوم، ومناسبة لتعيد النظر في سردياتها الكبرى التي تبيّن أنها ليست على ما يرام، كما أرى فيها أيضا (وهذا مهم جدا) فرصة لتستعيد فيها الفلسفة دورها الرئيس في السؤال والنقد والفضح والتعرية…

سؤال أخير: المغرب وكورونا، هل من ملاحظات لاسيّما من جهَة التدبير السياسيّ والاقتصاديّ للجائحة وانعكاساتها على مفاهيم الإنسان، والحق، والحرية، والسلطة؟

  من الصعب علي شخصيا أن أجيبك على هذا السؤال، ولكن دعني أكون صريحا معك، رغم ما عاينّاه من مجهودات للدولة ولكنها تبقى غير ذات معنى؛ لأن الحقيقة المرة هي أننا مجتمعات متفرجة على الفتوحات العلمية التي يشقها غيرنا، مجتمعات متواكلة تائهة في خضم الجهل والخرافة، تعيش كل أشكال التبعية والتشظي والفصام، وهذه كلها من نتائج الاستبداد، حيث لا ظلال إلا ظلال الهباء. وإن مناعة الوعي ضد وباء الجهل ليست مصلا يحقن بين عشية وضحاها، بل إنها تكتسب عبر سيرورة طويلة من التراكم التاريخي، وربما آن الآوان للدولة أن تفهم أن انعدام ثقة الناس فيها، وعدم الامتثال الطوعي لإجراءاتها الوقائية الاحترازية، ليس أمرا غريبا، بل هو محصلة طبيعية وعادية نابعة من مختلف أشكال الفساد القيمي الذي ربتهم عليه؛ من ريع ورشوة وانتهازية وكذب ومكر وتضليل… ففي هذا الجو الفاسد تربت الأجيال وترعرعت؛ سياسيون كاذبون وانتهازيون، مؤسسات ريعية لا تحترم القانون في مختلف القطاعات في الصحة والقضاء والتعليم… وغيرها كثير. كما عليها أن تفهم أن تخريب قطاعات حيوية، مثل التعليم والصحة، هو الذي أدخلها في هذا الارتباك، وصعّب عليها التواصل مع أفرادها، وهي التي غيبتهم أمدا من الدهر ليس بيسير.

      ربما نحن اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة النظر في مقومات وجودنا، بهدف تأسيس تعاقدات جديدة، بعد أن عرى هذا الوباء عن ظلال الهباء وبعد أن كشف عن عوزنا الثقافي والفكري والعلمي، وعن هشاشتنا الاقتصادية والصحية… وقد تبين بالملموس أن هذه النتائج كانت تتويجا طبيعيا لمسار طويل من الاستبداد كما أشرت. على الدولة أن تباشر الإصلاح الضروري الصادق والفوري، فهذه فرصتها التاريخية، ويبدو الإصلاح أسلم طريق لإعادة بناء التعاقدات الجديدة، وهو الإصلاح الذي ستقوده الدولة مع كل الشركاء من المجتمع المدني والنخب المثقفة، شريطة أن تصلح النخبة السياسية ذاتها، وأن تعيد النظر في ماهيتها وأدوات اشتغالها، وتُطوِّر خطابها، وترفع من منسوب الوعي لديها، وأول هذه المداخل نحو الإصلاح؛ هو التعليم، وقد كتب المختصون وقالوا أحسن مما يمكن أن أقوله، ذلك أنه لا مشروع نهضوي من غير تعليم عصري، نقدي، ممنهج، منصف وبانٍ للإنسان. التعليم هو الجوهر وما تبقى هي لواحق، وقد بدت حاجتنا الملحة للتعليم ولواحقه جلية في أزمة كورونا، فإذا صلح التعليم صلحت كل المجالات الأخرى من صحة وقضاء وإدارة واقتصاد وإعلام… فهو العماد الذي ينهض عليه البناء كله.

إذا حصلت هذه الشروط لا مندوحة أننا سنخرج من هباء الاستبداد لنتنفس عبق الديموقراطية وأريجها الذي لم يلامس ديارنا قط، ولم تبزغ شمسه على ضفافنا وتخومنا. فهل يا ترى أن ما بعد كورونا هي فرصتنا التاريخية للفكاك من إسار التأخر التاريخي والتخلص من دياجير البؤس الثقافي والعوز الحضاري؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *