الباحث في الفلسفة رجراحي : كورونا مناسبة لبعث الأسئلة، ولتجريب لغة الصمت بدل الانخراط في ضجيج الكلام.
فور تنمية
في سلسلة حوارات تقترحها جريدة فور تنمية على زوارها مع مفكرين ومثقفين وأدباء ومن أجل فهم أكثر وأعمق للتغيرات التي عرفتها المجتمعات بعد تفشي جائحة كورونا .
في هذه الحلقة الثالثة عشر من حواراتنا نستضيف الباحث في الفلسفة عبد الرحيم رجراحي الذي يرى أن هذا الوباء الذي اجتاح العَالم هو مناسبة لبعث الأسئلة، بدل المسارعة لتقديم الأجوبة؛ مناسبة لتجريب لغة الصمت، بدل الانخراط في ضجيج الكلام.
مرْحباً بالأسْتاذ والباحث في الفلسفة عبد الرحيم رجراحي، نتقدّم لك بدايةً باسمي وباسم جريدة فور تنمية بالشكر الجزيل على استجابتكم لنا بإجراء هذا الحوار وأوَدّ أن أَبْدأَهُ بالتساؤل عن رأيكَ في الجدَل الدّائر بخُصُوص مسودّة “قانون استعمال مواقع التواصل الاجتماعي”؟
أعتقد أن قانون 22.20 ولو كان مجرد مسودة، على حد تعبيركم، إلا أنه وصمة عار في وجه الدولة المغربية، وانتكاسة حقوقية لا غبار عليها؛ إذ بدل الاستجابة لمطالب الشعب المغربي في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وهي المطالب التي صدحت بها أصوات الشباب في حركة عشرين فبراير المجيدة؛ وبدل الانخراط في مشروع الحداثة الذي هو قَدَرٌ تاريخي، وترسيخ قيم الديمقراطية التي أساسها حرية التعبير والتفكير والمعتقد؛ نَجِدُ المسؤولون على شؤون البلاد لازالوا في القرن الواحد والعشرون يفكرون بمنطق رجعي عفا عليه الزمان؛ إذ ما قيمة الإنسان دون حرية؟
لَسْنَا يا صديقي دواب تسعى في الأرض بحثا عن لقمة العيش فحسب، بل نحن ذَوَاتٌ مفكرة وعاقلة وراغبة، ومن حقها التعبير عن اختياراتها وفق ما تقرُّه دولة الحقِّ، والتي ينزل فيها الإنسان منزلة المواطن الذي يتمتع بحقوقه العادلة والمشروعة، وعلى رأسها حرية التعبير، لا منزلة العبد الذي يكتفي بالسمع والطاعة.
ونغتنم هذه الفرصة لكي نحيط القيِّمين على شؤون الدولة أن أَمْنَهَا واستقرارها رهين بتمكين المواطنين من الاستعمال العمومي للعقل، وفق ما تقرُّه المواثيق الدولية، لا في الوصاية عليهم؛ وإذا كان مشروع القانون هذا تزامن مع وضع الحَجر الصحي الذي فَرَضَهُ وباء كورونا، فلنذكِّر أن هناك فرق بين الحَجر الصحي والحَجر العقلي؛ الأول واجب اجتماعي من حيث هو يخدم المصلحة العامة، بينما الثاني قرار ظالم يخدم شلَّة ممن يملكون وسائل الإنتاج، ويسعون بهذا القانون إلى الإتيان على الأخضر واليابس، والإجهاز على آخر متنفس للحرية الذي تجود به مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أثبتت الأحداث التاريخية القريبة ما لها من أدوار مؤثرة، بعد قمع مختلف الحركات الاحتجاجية السِّلمية في الشوارع العامة المطالبة بالحق في التعليم والصحة والعيش الكريم؛ وباختصار، لا يكفي مطالبة الدَّولة بالتراجع عن هذا المشروع القاضي بسَلب الحريات، إنما بالاعتذار الرَّسمي للشعب المغربي الذي ضحَّى أجدادنا وآباؤنا لعقود من الزمن لكي ينعم أبناء اليوم بمغرب الحرية والديمقراطية، لا بمغرب العبودية والاستبداد.
منذُ وصُول كورونَا إلَى باب منازلنَا ونحنُ نلمَس تحوّلات كثيرة على مستوَى علاقاتنا بأنفُسنا، وببعضنا، وبالمجتمع والدّولَة، كيف تنظرون لهذه التحوّلات أستاذ عبد الرحيم؟
التحوُّل قدر الكائن، كائنا ما كان؛ إذ دوام الحال من المُحال؛ وما هذه التحولات التي انجلت مع وباء كورونا إلا ذلك الغياب اللاَّمفكر فيه؛ ذلك المنسي الذي كان متواريا خَلْفَ خطابات التقدُّم العِلمي والتِّكنولوجي، والصِّراع المحموم بين الدول من أجل السيطرة على العالَم؛ لذلك فهذا الوباء الذي اجتاح العَالم هو مناسبة لبعث الأسئلة، بدل المسارعة لتقديم الأجوبة؛ مناسبة لتجريب لغة الصمت، بدل الانخراط في ضجيج الكلام؛ هي مناسبة كذلك للإصغاء لصوت الوجود الذي تم نسيانه، بدل الانشغال بالهموم النَّرجسية التي استغرقتنا؛ لذلك لا يمكنني الجزم بتفسير لما يحدث، فهذا على الأقل من اختصاص علماء الأوبئة وما يتَّصل بهم من خبراء، وحسبي التَّأمل في هذه الجائحة، ومن حسنات هذا النَّوع من التفكير طرح تلك الأسئلة الأصِيلة التي أنستنا فيها بداهات العصر الحديث، وتفاهات الزمن المعاصر؛ ومنها على سبيل الذكر سؤال الحياة والموت والعَالم؛ إذ ما الحياة؟ وما الغاية منها؟ وكيف نحيا؟ وما الموت؟ هل هو حادث عرضي أم قَدَرٌ أنطولوجي؟ وما حدود العلاقة مع الآخر بمعناه الواسع الذي لا يشمل الإنسان فحسب، بل يمتدُّ للأرض والحيوانات والجراثيم…إلخ؟ ربما هذا النوع من الأسئلة هو الذي يجعلنا نفهم، على الحقيقة، هذا الذي يحدث، لا بما هو حادثة من حوادث الزمان، وما ترتب عنها من خسائر مادية واقتصادية يسارع خبراء العصر لعدِّها وتصنيفها وَتَكْمِيمِهَا في مبيانات مختلفة الأشكال، إنما بما هو حدث Avènement يُعِيدُ النَّظر بشكل جذري في ذواتنا وفي العَالم من حَوْلنا.
هل تعتقد أن هذه التحوّلات إنباء بميلاد إنسان جديد؟ ماذا عساها تقول لنا الفلسفة في هذا الباب بالأساس، وأنت قد سبق لك أن كتبت شذرات فلسفية حول الموضوع؟
لَمْ يكتفِ وباء كورونا بخلخلة بداهات الفكر الحديث، إنما كشف عطبها وهشاشتها وفراغها على الملأ؛ فأخيرا يمكن للإنسان الجديد، النَّاجي من كورونا، أن يدرك أن العِلم لا يفكر؛ وأن العقل التِّقني يفتح على العَالمين باب جهنَّم؛ وأن السِّيادة على الطبيعة هي قَبْرُنَا الجماعي؛ وأننا نحتاج لحكمة القدماء أكثر من خبرة المعاصرون؛ وأن الفنَّ، من شعر وموسيقى وتشكيل وأدب…إلخ، هو عزاؤنا أمام الجوائح التي تتهدَّدنا؛ وفي هذا الصدد يؤكد الشاعر الألماني هلدرلين أنه أينما كان الخطر، فثمة منقذ، وليس هذا المنقذ إلا الفن الذي ينبغي أن نَتَعَهَّدَهُ بالرِّعاية من خلال سياسات عمومية نبيلة وحكيمة ينخرط فيها الجميع.
وَرُبَّ إنسان يُدِرُكُ، بَعْدَ هذه الجائحة، أن ما نحياه من لحظات في هذه الحياة هو الحقيقي؛ أما ما نعوِّل عليه في المستقبل هو ضرب من الوهم، وهو سبب شقائنا اليوم؛ فمن الحكمة الشقاء في طلب الحقيقة، وهي هنا، في الحاضر، لا في ماضي الأسلاف، ولا في مستقبل الحالمين؛ فلنستمتع إذاً باللحظات التي نحياها دون ضرر أو ضرار، أما الموت، أنى كانت أسبابه، فهو قدر العالمِين، وليس هناك ما يدعونا للخوف منه، ما عدا أوهامنا عنه.
وعلى ذكر مقالي “ما وراء الجائحة، شذرات في زمن كورونا”، هو محاولة لكتابة الصمت، وبعث الفراغ، واستدعاء الغياب، واستذكار النسيان؛ لذلك وَسَمَهُ التَّقطع والانفصال، وغزاه البياض؛ وتجدر الإشارة في هذا المقام أن الكتابة الشذرية أنسب تعبير عن المخاطر التي تتهدَّد الإنسان، من أمراض وأوبئة ونوائب وحروب…إلخ، وكلها في المحصلة مسميات لشيء واحد هو التَّصدُّع الذي ينخر الكائن.
إلى أيّ حدّ يمكنُ أن تشكل “كورونا” دافعا قويا لعودة وطننا إلى العناية القصوى بقطاع التربية والتعليم والبحث العلمي؟
لا شك أن وباء كورونا بعث فراغات مُهْوِلَة في مجالات شَتَّى من الحياة؛ ليس في التعليم فحسب، بل في السياسة والاقتصاد والصحة والطبيعة والدين…إلخ، وفي هذا الصدد نُذَكِّرُ أن الخلاص لا يمكن أن يكون إلا جماعيا، وهي مناسبة لإعادة النظر في السياسات العمومية، والتفكير بشكل جذري في قَلْبِ قِيَمِ الرأسمالية، وتجديد التعاقدات الاجتماعية.
لكن، مادام سؤالكم يخص مجال التعليم، فنكتفي بالإشارة إلى أن وباء كورونا كشف عُمْقَ الفوارق الطبقية بين المتعلمين؛ بين من يتابع التعليم من بعيد، وهو ينعم بالشروط الضرورية لإنجاح العَملية، من لوحات إلكترونية، وصبيب للأنترنيت، فضلا عن منزل فيه شروط التحصيل، في حين أن أغلبية تلاميذ المدارس العمومية، كما تؤكد جمعيات الآباء والمختصون في المجال، انقطع حبل اتصالهم بأساتذتهم، نتيجة للفقر والعَوز، فضلا عن تعقُّد ولوج المنظومات التي أحدثتها الوزارة المعنية بهذا الشأن. لا شك أنه كان هناك مجهود على مستوى الدروس المصوَّرة، انخرط فيه المؤطرون التربويون والأساتذة بإمكاناتهم الخاصة، لكن تظل فعالية هذه الدروس محدودة في غياب التفاعل المباشر الذي يمكِّن المتعلِّمين من التساؤل والاستفسار والانخراط في بناء الدروس؛ ونظرا لما لهذه الفوارق الطبقية في التعليم من آثار سلبية على مستقبل البلاد، وجب أن يكون تعليما عموميا موحَّدا وجيِّدا يضمن تكافؤ الفرص بين كل المتعلمين دون تمييز، مُوَجَّهاً وفق مشروع مجتمعي حداثي وديمقراطي ينعم فيه الناس بالعدل والحرية.
كما لا يفوتنا التعقيب على سياسات الدولة في التعليم من خلال تهميشها للآداب والفنون والعلوم الإنسانية، ودعمها للعلوم والتكوين المهْني؛ فليس بالعلوم وحدها يحيا الإنسان، بل يحتاج لآداب تهذِّب نفسه، وفنون ترتقي بذوقه، وعلوم إنسانية تحرِّر عقله، وفلسفة تعلِّمه كيف يحيا، وكيف يموت، وكيف يحبُّ قَدَرَهُ الأنطولوجي.
تشتغل أستاذ عبد الرحيم على فلسفة ليو شترواس، وهي إحدى الفلسفات التي أعادت مساءلة الحداثة وتحوّلاتها، هل تعتقد حقاّ أن الانسدادات المعاصرة اليوم التي مست مجالات العلم، والسياسة والأخلاق، إفراز من إفرازات الحداثة؟ ألا ترى أن في الأمر بعضُ تجنٍّ عليها؟
لَمْ يتجنَّ ليو شتراوس على الحداثة على حد تعبيركم، إنما انخرط، من موقع الفيلسوف المعاصر، في هذا المشروع على نحو مغاير، مقتضاه أن تحقيق رهانات الحداثة لا يتأتى بتجذيرها، إنما في التفكير النقدي في بداهاتها، والعودة لمنسياتها؛ ولعلَّ من الأسئلة المنسيَّة في هذا الصدد سؤال الدين والأخلاق اللذان أدى القطع العنيف معهما في العصر الحديث إلى أزمة سياسية من أبرز تجلياتها أن صار الشأن العام مجالا للفساد في الأرض بدل إصلاحها؛ ومن هذا المنطلق نفهم انتقادات ليو شتراوس للتاريخانية والوضعانية والعدمية؛ ونفهم أن عودته للتراث الفلسفي القديم، سواء اليوناني أو الإسلامي، لم تكن عودة سَلَفِيَّةً أو أصولية، إنما هي عودة فلسفية خَلَّاقَة تعترف بمكتسبات الحداثة من حرية وعقلانية وعَلْمانية…إلخ، لكن تدعو لتخليقها حفظا للعمران البشري، واستعادة لمعنى الحياة، والعيش وفق قيم الحكمة والشجاعة والحب، لا وفق التفاهة والعبودية والحقد التي لن تزيد الطين إلا بلَّة.
