فور تنمية
كشف استطلاع رأي حديث، نشرته صحيفة «بوليتيكو» في 13 أكتوبر 2026، عن معطى لافت بشأن نظرة الإسبان إلى مستقبل العلاقات مع المغرب، في ظل استمرار الخلاف حول سبتة ومليلية. فوفق المعطيات المنسوبة إلى معهد «PF Global»، الذي أنجز الاستطلاع خلال شهر شتنبر الماضي، بات قطاع واسع من الإسبان يتوجس من احتمال أن تقود التوترات المرتبطة بالمدينتين إلى مواجهة عسكرية بين البلدين خلال العقد المقبل.
وبصرف النظر عن مدى واقعية هذا السيناريو، فإن دلالته تتجاوز الأرقام والنسب؛ إذ تكشف عن حالة من القلق داخل الرأي العام الإسباني، وعن فجوة محتملة بين الخطاب الرسمي الذي يحرص على إبراز متانة العلاقات الثنائية، والمخاوف التي تتغذى عليها بعض القراءات السياسية والإعلامية لمستقبل هذه العلاقة.
غير أن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمصدر هذا القلق، بل بكيفية توظيفه سياسيا. فتوقيت نشر هذه المعطيات، في سياق سياسي إسباني متوتر، يفتح الباب أمام التساؤل بشأن احتمال تحول ملف سبتة ومليلية إلى أداة لتعبئة الناخبين، خصوصا لدى أحزاب اليمين واليمين المتطرف، التي قد تجد في استحضار سيناريو المواجهة مع المغرب وسيلة لتعزيز خطابها الأمني والقومي واستثمار المخاوف الشعبية.
وهنا تكمن المفارقة: فبدل التعامل مع الخلافات القائمة باعتبارها ملفات سياسية وتاريخية تحتاج إلى الحوار والتفاوض وتدبير المصالح المشتركة، قد يجري تضخيمها وتحويلها إلى مصدر للقلق الجماعي، بما يخدم حسابات انتخابية ظرفية، لكنه لا يساعد بالضرورة على بناء الثقة بين الجارين.
أما المغرب، فإن الدفاع عن سيادته وصون مصالحه الوطنية يظلان من محددات سياسته، ولا يعنيان، في حد ذاتهما، السعي إلى التصعيد أو الانزلاق نحو مواجهة عسكرية. فالعلاقات المغربية الإسبانية أوسع من أن تختزل في ملف واحد، وتشابك المصالح الاقتصادية والأمنية والإنسانية بين البلدين يجعل من الاستقرار والتعاون خيارا استراتيجيا يتعين الحفاظ عليه.
الخلاصة أن الخطر لا يكمن بالضرورة في احتمال اندلاع حرب، بقدر ما قد يكمن في تحويل الخوف منها إلى أداة سياسية. فحين يصبح الجار مادة للاستهلاك الانتخابي، تتراجع فرص التفاهم، ويحل منطق التعبئة محل منطق الدبلوماسية، ويصبح الرأي العام أسير سيناريوهات قد لا تعكس حقيقة موازين المصالح ولا طبيعة الخيارات المتاحة أمام البلدين.