في حوار مع فور تنمية الاستاذ الباحث بلال المهنا يفكّ شيفرة التحول الشبابي في المغرب.

فور تنمية

يأتي هذا الحوار مع الأستاذ بلال الهنا في سياق محاولة فهم جيل Z الذي يفرض حضوراً قوياً في المشهد المغربي، جيلٌ لم يرث عقد الإذلال التاريخي للأجيال السابقة، ولا يعترف بقداسة المؤسسات التقليدية التي فقدت وظيفتها التحصينية. يرى الهنا أن هذا الجيل يعيد طرح سؤال الجدوى من النخب، ومن التنظيمات السياسية والنقابية التي تحولت إلى عائق أمام الانعتاق. وفي مقابل ذلك، يبرز جيلٌ مسلح بالمعرفة الرقمية، أكثر جرأة ووعياً بالتحولات العالمية، وقد يتحول—إن لم يُستثمر في طموحاته—إلى قوة تاريخية غير متوقعة المسار. حوار يقترب من قضايا السلطة والهوية والمستقبل، من زاوية جيل يرفض الصمت.

حاوره : منير الحجوجي

 

سؤال: لماذا جيل زد.. ؟

أستاذ بلال الهنا: جيل زد جواب طبيعي ضد خيبات غير طبيعية. فالمؤسسات التي كان من المفترض أن تواكب مهامها العضوية وتحافظ على الغاية من وجودها كحصن يحمي المغاربة من التقلبات التاريخية الكبرى-أقصد هنا التنظيمات المؤسسية سياسيا، نقابيا وحقوقيا،- صارت هي نفسها لعوامل موضوعية وأخرى ذاتية معيقا يكبح فعل الانعتاق، ويحجب في طريقه الرؤية النظيفة للعشب الفتي مقابل الظفر بتموقعات تافهة على هامش التاريخ. ولسوء حظ هذه الكيانات فهي من جهة، تتزامن الآن مع وجود جيل لم يستبطن مناخ الإهانات والإذلالات التاريخية التي عاشت تحت إكراهاتها الأجيال السابقة. ومن جهة ثانية، فهو جيل لم يتشرّب ولم يعد يخضع أمام قداسة الخطوط والألوان والنظريات السكولائية الباهتة التي أنتجها البوليس الفكري حول مشروعية السلطة ورمزياتها المقدسة في مغرب ما بعد الاستقلال.

إذن، جيل زد بما يمتلكه من إبداع على هذا المستوى التنظيمي المفتوح وغير الهرمي أعاد سؤال الجدوى من التنظيمات المؤسسية الكلاسيكية ومدى فاعليتها وجديتها واستيعابها للتحولات العالمية المتسارعة التي لا تتوقف عن إعادة تشكيل اللعبة الإقليمية والدولية.

سؤال: كيف نلامس دور النخبة المغربية على مستوياتها في حراك جيل زد؟

أستاذ بلال الهنا:  سأعود هنا إلى المهمة الجوهرية التي أناطها دولوز بالمفكر مثلا، باعتبارها مهمة جيو-فلسفية. إذن في نظري هي مهمة تراعي جغرافيا الإنسان والأرض والسياسة. والإخلال بأحد مبادئها لا يعد إبداعا بقدر ما يعد غباء يمنع رؤية التدفق الحقيقي لمسارات التاريخ واحتمالاتها اللامتناهية.

وفي المغرب، ماعدا العقدين الأوليين لمابعد الاستقلال حيث حظي فيهما المغرب بمحاولات فكرية تثويرية جادة كانت أكثر التزاما بالهم التاريخي الكبير للأمة المغربية، قد برز نوع آخر من النخبة التي تخلت عن حلمها بمشروع النهضة المغربية وانخرطت بشكل دراماتيكي نشاز في تلميع بشاعة اللفياثان ضدا في رغبة المجتمع وطموحاته في التغيير منذ عقود. وساهمت بذلك في تقديم المعرفة قربانا على مذبح السلطة، الأمر الذي مكن المخزن من امتلاك شرعية “نخبوية” كغطاء يساعد على الفتك بمشاتل المعرفة التثويرية من جامعات ومراكز بحثية ودور شباب وشبيبات حزبية ونقابية غيره.

أما اليوم، لم تعد الأزمة تقتصر على غياب نخبة ملتزمة ومنحازة لقضايا مجتمعها في الجانب الشعبي فقط، بل حتى إن السلطة ذاتها اليوم تجد نفسها عاجزة عن إيجاد نخبة تقوم مقامها في الدفاع الذكي عن مصالحها الطبقية بالشكل الذي يراعي تقلبات المنطقة ومحاذيرها ومخاوفها. جوقة من المعتوهين لا يصدقون أنفسهم فكيف يصدقهم جيل زد هذا الذي لم يضع لحدوده شرطا غير العدالة المجتمعية والكرامة الإنسانية. لأنه الجيل الأكثر تطلعا والأدق معرفة بتفاصيل ما يحدث وما يزال من متغيرات على مستوى العالم بفضل إلمامه بتقنيات الشبكات المفتوحة وكذا الجرأة على طرح الأسئلة السياسية الجوهرية.

 

سؤال: ما طبيعة النخبة المثقفة في مغرب جيل زد؟

أستاذ بلال الهنا:  في الواقع، من المؤسف أنه لدينا نوع من النخبة تربّت تحت ظل محاذير ابستيمية تاريخية/”تاريخانية” يجعل من إنتاجها الفكري عصوات بوليسية تكبح حرية التعبير والتفكير بدافع الاستثناء والاستقرار وهلم جرا.. والحقيقة أن ما تدافع عنه هو نوع خاص من الاستقرار. إنه استقرار متوهم ينحصر في ذهن النخبة ولا يمت بصلة للواقع. فبدفاعها عن هكذا أطروحة فهي تدافع عن مصالحها/أوهامها أو… مخاوفها من فقدان تلك التموقعات الاسترزاقية التافهة داخل النسق الاستغلالي المنتج للإهانات والأوساخ الكبيرة في حق الدولة والمجتمع معا.

إن مثقفا وهو ينطلق من نظم معرفية ثابتة باعتبارها مقدسات ويقينيات ليطلق تصوراته حول العالم/الواقع المتغير، فكأنما يبصق في وجه السيرورة/التحولات التاريخية التي لا ثابت سواها حقيقة. بيولوجيا، الاستقرار هو رديف للموت. والكيانات/الكائنات المغلقة حسب التعبير “الموراني” مرشحة تلقائيا للانقراض عكس الكائنات العضوية الحيوية، فإن تركيبتها الأفقية، المنفتحة والمتنوعة تحمي امتدادها التاريخي في المستقبل وتعزز ميكانيزماتها الدفاعية بشكل فعال ضد كل التقلبات الفجائية للتاريخ. وإذا لم نكن جزءا من التحولات ونلج غمارها بقوة دفع أنثروبو-سياسية قوية ومنيعة، فالأكيد سنكون عرضة للانسحاق الحضاري تحت مخالبها التي لا ترحم.

إن نخبة تكثر الحديث عن الاستقرار وتجلياته الوهمية حد الهوس، بل وتطلق تهديدات في وجه كل من يعري هشاشته أو يشكك في جدواه ولاتاريخيته هي بذلك تقدم خدمة معكوسة ومؤلمة ضد من يوظفونها تحديدا. لأن ما تخشاه وتهرب منه اليوم هو ما سيبتلعك في النهاية -حسب التحذير “اليونغي” -، ما لم تواجه أعطابك النفسية وثقوبك الحضارية قبل أن تفكر في مواجهته فعليا.

يُجابه جيل زد اليوم بهذا النوع من التهديدات/ الأجوبة المتبلدة حسيّا ومعرفيا من قبل بوليس فكري ظن أنه يتملك صافرة التاريخ من بدايته إلى نهايته.

دعني أذكرك أيها النبيه لو أن شهيد الكرامة البوعزيزي مثلا غفا عن عربته المجرورة ذاك الصباح ولم ينصب “كَـرّوصة” شقائه للبيع على ذلك المفترق الطرقي/التاريخي لما امتدت إلى وجهه تلك اليد البوليسية القذرة التي وجهت في الحقيقة صفعة هوجاء عصفت بأحلام العصابة التونسية ذاتها كما بكثير من الأنظمة العربية التي أسست وجودها الهش على كل ما يناقض جوهر الدولة العادلة. هذا هو تاريخ الشعوب الذي لا يؤمن مكره. ومن البلادة ألا نعتبر مهما بدا لنا أن السجون وحدها كفيلة بأن تمنحنا سيطرة على الغليانات والاحتقانات المجهرية الناقمة والتي لا تتوقف هذه الأساليب السلطوية/الطبقية ذاتها عن توسيع مشاتل إنتاجها.

سؤال: مستقبل حراك جيل زد؟

أستاذ بلال الهنا:  جيل زد أو غيره من الإنذارات التاريخية السابقة، يوحي في كل مرة أنه ما لم يتم تقديم أجوبة جادة تقطع مع أجوبة الدوليبرانات وديبلوماسية البيصارة والقفطان وكعب الغزال.. وبحكم أن التاريخ لا ينسى الجرائم المرتكبة في حقه، أخشى أنه إذا أصرينا على هذا العمى الاستراتيجي فسنطوق مستقبل البلاد بألغام هي أكثر تعقيدا من سابقيها. وحراك جيل زد هذا لم يكن سوى قرصة مستجدة لأذن اللفياتان الأصم الذي تعود ألا يسمع إلا نفسه ويصر على ألا ينظر يساره أو تحته. إنه جيل ذكي جدا ومسلح بتقنيات وميكانيزمات نفسية وسياسية تستجيب للشروط التي يضعها التاريخ للرقي. غير أنه إذا لم يجد من ينصفه فعليا ويستثمر بجدية في طموحاته وأحلامه بوطن عادل وكريم، أو يغترّ بهدوئه ويطمئن إلى التحليلات الساذجة العمياء، فقد يتحول في لحظة تاريخية غير متوقعة إلى لغم انفجاري سيصعب فك شيفراته. والأكيد أنه سيدخل بنا التاريخ، لكنني لست متيقنا من أي باب..!!

 

Comments (0)
Add Comment