“معنى أن تكبر في فلسطين” (1).
فور تنمية بقلم سيلفي منصور ترجمة منير الحجوجي
بماذا يمكن أن يحلم الشبان الفلسطينيون؟ ما هي لعبهم Jouets؟ كيف يمكنهم أن يبنوا لأنفسهم مستقبلا؟ تقدم لنا النفسانية الجميلة سيلفي منصور Sylvie Mansour هنا خلاصة معايناتها اليومية.
النص
في بداية هذا القرن الواحد والعشرين، يمكننا بطبيعة الحالة أن نسعد للتقدمات المحققة في مجال فهم سيكولوجيا الطفل وفي مجال الدفاع عن حقوقه. يجب مع ذلك أن نقر بأن منافع هذه التقدمات هي أبعد ما أن تعاش/تحس بالشكل نفسه عبر العالم. وإذا كانت توجد أصلا في أوروبا أو في الولايات المتحدة فروقات هائلة على مستوى شروط نمو الأطفال بحسب العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية والعائلية، فان وضع الأطفال في بلدان أخرى ليس فقط لم يتحسن ولكنه أكثر من ذلك سار الى التدهور. نفكر هنا بطبيعة الحال في أطفال البلدان الفقيرة أو البلدان في حرب.
الشرق الأوسط هو واحد من تلك المناطق حيث شروط حياة الأطفال هي أبعد ما تكون على أن تساهم في تطور دال لإمكانياتهم. فالأطفال الفلسطينيون، وهو ما يوضحه الاعلام بشكل منتظم، يعيشون في قلب سياق خطير جدا من الحرب والعنف. على هؤلاء الأطفال، ورثة الحمل الثقيل للصدمات المعاشة من قبل عائلاتهم، مواجهة شروط حياة صعبة بشكل خاص، سواء كانوا في فلسطين المحتلة أو في الأردن أو لبنان أو إسرائيل أو سوريا أو مخيم اليرموك حيث يعيشون ظروفا دراماتيكية بشكل خاص. كيف يعيش هؤلاء الأطفال؟ ما هو تأثير هذا السياق الصعب جدا على تطورهم العقلي؟ ان كل الأطفال الفلسطينيين، وكيفما كان مكان عيشهم، ومستوى الالتزام السياسي لعائلاتهم، والطبقة الاجتماعية التي هم منحدرون منها، يعيشون تقريبا نفس الواقع المخيف. ومن أجل وصف هذا المعيش في حالة فلسطين المحتلة، سنحاول تتبع الطفل الفلسطيني عند مختلف مراحل عمره.
العنف منذ الفترة الرحمية..
يمكن للواقع أن يمس الطفل منذ الأيام الأولى لحياته، بل حتى قبل ذلك: وهو في قلب بطن أمه، يكون الطفل بلا شك قد استنشق عميقا غاز اللاكريموجين الذي يلقي به الجنود خلال تظاهرة أو عند تفتيش. أما إذا كانت عائلة الطفل تعيش في غزة، فانه يكون قد استدمج عميقا بداخله أصوات القصف وأصوات طائرات وهي تخترق حاجز الصوت وتهز مجموع توازن حياته الجنينية.
الكثير من النساء الحوامل، خاصة في قرى الضفة، يعشن، ومنذ تكثيف الحواجز أمام الحركة، في قلق منذ لحظة الحمل، حيث يخشين أن يتم منعهن من المرور عند واحد من السدود الموضوعة من طرف الجيش الإسرائيلي (2) نحو مصحة الولادة الموجودة في المدينة. كثير من الأمهات وضعن أطفالهن في أخر لحظة في قلب سيارة اسعاف احتجزت في سد مروري: والأقل حظا فقدن حياتهن أو حياة رضعهن.
المرحلة الأولى من حياة المولود الجديد توجد هي أيضا على مرمى من العنف. أن تكون الأم محفزة مبكرا وحاضرة طول الوقت خلال السنة الأولى من حياة الطفل أمور أساسية جدا في تطور هذا الأخير: كيف يمكن ضمان هذه التفاعل المحفز خلال السنوات الأولى من الحياة عندما تتساءل الأم يوميا حول اللحظة التي سيأتي فيها الجيش لاعتقال زوجها أو جارها، لمصادرة حقل الزيتون العائلي من أجل بناء جزء جديد من “السور” أو توسيع مستعمرة؟ متى يمكنها أن تركز على الرعاية التي عليها منحها لرضيعها عندما يكون زوجها عاطلا منذ شهور كثيرة لأنه لايستطيع التوجه عند مشغله في إسرائيل أو لأنه لايتوصل براتبه؟ (3). أن نكون واثقين أو لا في المستقبل يؤثر بطبيعة الحال في علاقة الأباء بالمولود الجديد: لقد بينت دراسة تمت في ماي من سنة 2007 بأن 77،3 بالمئة من الفلسطينيين يعتبرون أنفسهم مكتئبين جدا و14،9 مكتئبين.
طفولة مختطفة
حتى قبل أن يصل الى الفترة العمرية حيث يمكن أن يعي الوضعية التي تحيط به، فان الطفل الفلسطيني يكون قد انخرط بشكل غير مباشر في وضعية سياسية. فكلماته الأولى، بعد بابا وماما، هي “طاخ”، التي تحيل الى الطلقة النارية: مشاهد على التلفزيون، مشاهد معاشة مبكرا، تقحم عنف الأسلحة الى عمق حياته. وبشكل مبكر جدا تصبح البندقية أو المسدس عنصرا محوريا في الألعاب التي يمارسها حيث يعيد انتاج المشاهد التي تشكل جزءا من حياته اليومية. يعيد مشهدة التظاهرات، التفتيشات، هجومات دوريات المراقبة العسكرية الإسرائيلية، عمليات دفن الشهداء (4) في سياق مجهود استدماج ما يجري حوله، في سياق مجهود التحكم في قلقه.
جنين، أبريل من سنة 2002، سينسحب الجيش الإسرائيلي من مخيم اللاجئين بعد حصار طويل. يلعب الأطفال في أزقة المخيم، الأزقة حيث تتراكم الأتربة. “ان فضاء مغامرتهم خطير على أكثر من مستوى: الصغار منهم يلعبون بالرمل والغبار الذي غطى أزقة المخيم، يتزاحمون على برك الماء الملوث أو بجانب مطارح أزبال تغمر أزقة المخيم. الكبار منهم يبحثون في ركامات الأتربة عن “ذكريات حرب”، عن بطانات فارغة أو أيضا مملوءة بمساحيق حتى يضعونها كأحزمة باعتبارهم محاربين من أجل لعبة الحرب، أو أيضا يسارعون بفضول واضح نحو أي شيء مشبوه. يظهرون أيضا وهم منخرطون جدا في جمع أجزاء من الألمنيوم، في الغالب من أجل إعادة (5) بيعها..
وهو يكبر، يصبح اللعب لدى الطفل غير قادر على أن يشكل الخيط الناظم من أجل مواجهة التوترات الحقيقية التي تستغرقه. يمر الطفل الفلسطيني اذن من اللعبي Le ludique الى الفعل السياسي وفي بعض الحالات أيضا يهرب نحو الأمام كاشفا بذلك عن احباطه العميق. لقد رأينا ذلك في قطاع غزة سنة 2003، عندما كان الإسرائيليون لازالوا حاضرين في عين المكان.
سنة 2003، في مدرسة في قطاع غزة. “الأطفال السبعة المجتمعون ذلك اليوم سنهم يتراوح بين 12 و13 سنة. وقتا قليلا قبل ذلك، تم تجميع حزمة من الدلائل من طرف الأساتذة والأباء. تم العثور على الوصية التي كتبها كل واحد منهم، وأيضا الأقنعة التي كان من المفروض أن تغطي وجوههم في اليوم المعلوم: أكياس قش خشن، أكياس في الغالب تمت استعادتها من عند الأمهات، والتي ربما احتوت في الأصل على السكر أو مؤونة أخرى، أو التي ربما استعملت في تحضير الياغورت من أجل اللبن. ثقبان أحدثا بطريقة عشوائية مكان العينين والعصابة (بضم العين) التي تلف الجبهة مع شعار حزب سياسي: وها هو الدرع الواقي جاهزا.
هل كانوا يريدون لعب لعبة الحرب، لعب أدوار سعيا وراء متعة ما، رعشة ما؟ على كل حال كانوا قد قرروا الموت كشهداء، تحضير “عملية” ضد مستعمرة إسرائيلية في قطاع غزة. لم يكونوا هم أول من قاموا بذلك. بعض السيناريوهات من هذا النوع، المعدودة على رؤوس الأصابع لحسن الحظ، تم تنفيذها حتى نهايتها منذ انطلاق الانتفاضة الثانية، من طرف أطفال بأسلحة تافهة في جيوبهم، – غالبا سكين مطبخ لم يشحذ جيدا- والتي انتهت بموت الأطفال، وفي حالة واحدة باعتقالهم وحبسهم (6)..
يمكننا دائما أن نرى طفلا في هبرون، في ضاحية القدس، وهو يرمي بالحجارة على الدوريات الإسرائيلية أو على المستوطنين. نراه في غزة، وقد شوهه قصف صيف 2014، أو مؤخرا وهو يلعب فوق حطام منزله أو مدرسته التي يتوجب دوما إعادة بنائها.
تشكل الرسوم التي يبدعها الطفل الفلسطيني – مثلها مثل الألعاب التي يمارسها- مرآة حياته اليومية: يرسم البشاعة، في بعض المرات بشكل فج، – جسد مقطع، دم، دخان، نار تنطلق من السلاح أو من الهليكوبتر العسكرية- ومرات عبر الرموز: شجر زيتون مقتلع، حمام ينزف دما. وحتى وهو يساهم في أنشطة ترفيهية، يجد صعوبة كبرى في أن يرسم أحلامه، لأن الكابوس ينبعث بسرعة شديدة.
تنامي اختلالات السلوك..
يلاحق العنف الطفل عند كل لحظة خلال النهار أو الليل. حتى المدرسة لاتشكل مكانا مؤمنا.
نونبر من سنة 2000، قاعة المستعجلات في مستشفى الأونروا بقليقلية. تأتي عائلة بطفلة ذات تسع سنوات.. العائلة مندهشة من الأعراض: لقد قاد عطب في الكهرباء في المدينة الى أزمة قلق حاد، فالطفلة احتفظت في ذاكرتها بأن القصف الإسرائيلي غالبا ما يسبقه قطع للكهرباء. الجواب العفوي الوحيد للفرق المعالجة في مصلحة المستعجلات كان هو للأسف الحقن بمهدئ. يتكرر السيناريو في اليوم اللاحق مع وصول قسم أخر من الطفلات مع مدرستهن، وهن في حالة صدمة بعد استنشاقهن لغاز اللاكريموجين الذي تم الالقاء به في ساحة المدرسة من طرف الجنود الإسرائيليين للرد على رمي الحجارة من طرف الأطفال على العربات العسكرية.
في هبرون وفي القرى المحيطة، على الأطفال أن يقطعوا في بعض الأحيان مسافات طويلة على الأرجل للوصول الى المدرسة. يقوم المستوطنون الإسرائيليون المقيمون في ضواحي المدينة بالتحرش بهم/هن بشكل منتظم. الأصغر منهم يرتعبون ويرفضون التوجه الى المدرسة.
كيف يمكننا في ظل هذه الظروف أن نقتنع بأن الطفل سيركز على عمله المدرسي؟ يحكي الأساتذة عن عدة مشاكل في التعلم، في التركيز، في السلوك في المدرسة. الأباء هم أيضا يحسون أن ليست لهم أية حلول أمام يحصل. وأمام الوقع المتفاقم لمشاكل العنف، العدوان، القلق، التوتر، تكون الأمهات في حاجة ماسة للنصائح. ورغم الإرادة الطيبة، فان الراشدين لايمكنهم أن يخلقوا “محيطا صغيرا” مؤمنا/حاميا حول أطفالهم، عزلهم عن واقع ينهش طفولتهم ويفرض عليهم انشغالات صعبة التحمل بالنسبة لسنهم. يعرف الأطفال أن الحماية لايمكنها أن تأتي من أي مكان، وخصوصا من أباءهم الذين عاينوا بأعينهم كيف تتم اهانتهم عشرات المرات من طرف الجنود الإسرائيليين عند السدود الأمنية، وخلال مداهمة في الأحياء، وخلال فترات حظر التجول.
“في كل الأحوال نحن أصلا ميتون”..
هل يتعلق الأمر بجيل ضائع؟ بعد الحرب العالمية الثانية كشف باحثون بأن جزءا من الأطفال ضحايا وضعيات خطرة قاموا، على عكس مما كان متوقعا، بالاندماج بشكل عادي في المجتمع ولم تظهر عليهم أمراض كبرى. ثم سموا هذه الظاهرة القدرة على العودة/الولادة مجددا “La résilioence”. يعرف بوريس سيرولنيك la résilience بالشكل التالي: “انها القدرة على النجاح، على العيش والتطور إيجابيا، بشكل مقبول اجتماعيا، بالرغم من التوتر والمحن التي تقود عادة نحو نهاية سلبية”. في فلسطين، يوجه مفهوم الولادة الجديدة هذا على الأرض الممارسات التدخلية لعمال/محترفي الطفولة، وخصوصا منذ الانتفاضة الثانية. من أجل تشجيع عودة الجيل الشاب الى الحياة، يبحث المتدخلون عن المساهمة في منح معنى جديد للوضعية الصعبة التي يمر منها المجتمع. يبذلون الجهود الجبارة أيضا من أجل العمل على استعادة تقدير الذات لدى الشاب ولدى والديه. وفي سياق الحرب، نلاحظ أن الأباء يشكلون أفضل حماية ضد توتر طفلهم. لا يتعلق الأمر اذن بالاشتغال مع الطفل وحده، ولكن أيضا مع الأباء والأمهات، الذين يهانون بشكل مستمر من طرف الاحتلال. ومن خلال تقدير دورهم في حماية الأطفال، يمكن أن نمنحهم من جديد صورة إيجابية عن ذواتهم. إذا كانت أم تعلم، مثلا، كيف تساعد طفلها أو طفلتها على التحكم في خوفه، إذا ما منحته الدعم، حينها سينخفض شعوره بالإحباط والإهانة فيما ستكبر موازاة مع ذلك حظوظه في تحقيق العودة الى ركح الحياة. لكن هذا الاشتغال على الجماعة يظهر صعبا بالنظر الى تأجج الصراع. جملة تعود بلا توقف في فم الشبان كما لدى الراشدين: “هيك هيك نحنا ميتين”.
أباء عاطلون، “أبطال” بلا مجد من زمن الانتفاضة، مثال دولة فلسطينية مستقلة يبتعد أكثر فأكثر، صعوبات في الوصول الى الجامعات، ماذا يتبقى للشبان؟..
كيف يمكنهم أن يثقوا في القانون وفي العدالة بعدما كانوا شهودا مرات عديدة على خرق حقوقهم وحقوق ذويهم؟ أية فكرة سيشكلونها حول الديموقراطية؟ بأي مجتمع سيحلمون فيما يخص مستقبل بلدهم؟ كيف سيتمثلون البلدان الغربية؟ ولكن أولا وقبل كل شيء هل سيمنحون فرصة الحلم بهذا المستقبل؟..
هوامش
1-اشتغلت النفسانية سلفي منصور في فلسطين مع منظمات دولية متعددة ودرست في جامعة بير زيد. شاركت في برامج تعاون في الصحة العقلية، مع وزارة الصحة الفلسطينية ومع الأونروا (المنظمة الأممية الخاصة باللاجئين والشرق الأوسط).
2-في ماي من سنة 2012، تم إحصاء 542 حاجز مروري في الضفة في وجه الفلسطينيين، من بينها 61 حاجز دائم، 410 حاجز طائر، وطرق مقطوعة بحواجز اسمنتية أو بخنادق.
3- 80 بالمئة من أطفال فلسطين يعيشون تحت عتب الفقر و27 بالمئة يعانون فقرا غذائيا كبيرا.. انظر التقارير النصف الشهرية لليونيسيف.
4-شهيد، كلمة تستعمل ليس فقط لتعيين الفلسطينيين الذين يقتلون في الصراع، ولكن كل فلسطيني مدني يقتل من طرف الجيش الاسرائيلي.
5-سلفي منصور: “أسبوع في جنين”، مجلة دراسات فلسطينية، عدد 84، صيف 2002.
6- سلفي منصور: “في صعوبة أن تكون طفلا في غزة”، مجلة دراسات فلسطينية، عدد 88، صيف 2003.
