OCP

التعليم في المغرب ..الاختلالات في الأهداف والغايات

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

فور تنمية. بقلم ذ خالد جبور

من مفارقات التعليم في بلدنا أنْ كانت المدرسة، في العقود الثلاثة التي أعقبت خروج المستعمر، في أصعب وضعياتها وأكثرها حِلكةً، ومع ذلك أفرزت نخبةً مثقفة امتدّت تأثيراتها في أرجاء المجتمع كافة؛ في حين أنّ مدرستنا اليومَ، وبالرغم من الاعتمادات المالية واللوجستية والطاقات البشرية، ما تكاد تخرج من إصلاحِ أزمة حتى تدخل في أزمة إصلاح.
يسجل تاريخ المدرسة المغربية أنّها، في تلك الحقبة السالفة من أمسنا القريب، كانت تعاني شحّ المستلزمات: من قاعات وأدوات ” ديداكتيكية “، أضف إليها نقصَ الأطر التربوية والإدارية، فـعُمِـدَ إذّاك إلى الاشتغال بما توفَّر، وكُوِّنت الأطر تكوينا سريعا (15 يوما بالنسبة للمدرسين)، وبدأت منظومة تعليم ما بعد ” الحماية ” في الاشتغال، ثم غدت مشتلا للكفاءات، وعنصرا جوهريا في جهد وطن يعيد بناء نفسه، وما كتاب محمد عابد الجابري ” أضواء على مشكل التعليم بالمغرب ” إلا امتدادا نظريا للجهدِ العملي الذي أراد جعل المدرسة ركيزة أساسا لنهضة المغرب وتثبيت استقلاله والنأي بنفسه عن رواسبه ومخلّفاته.
اليومّ، تطورت الوسائل وتناسلت المناهج والمقاربات، وكثرت المدارس (وإن ليس بالكم المطلوب لاستيعاب من هم في سن التمدرس كلِّهم)؛ إلاّ أنّ الظاهر أن المدرسة لم تتطور ولم يمتد تُطَوُّرُها إلى المجالات كافة ( إلى الاقتصاد والسياسة والثقافة والتنمية المجتمعية …)، لم تتطور تطورا بيِّنا مقنعا كذاك الذي شهدته كرة القدم على سبيل المثال!
صحيح أن الوسائل التي بها نبتغي إصلاح خلل من الاختلالات قد تطوّرتْ تطورا لفت الأنظار، بيد أن الغريب أنّ الخلل (أي خلل) المرادُ معالجته لا يزيد إلا نموًّا وتطورًا وفُشُوًّا. خذ لذلك الغشَّ في الامتحانات كمثال. لقد ظهرت تقنيات حديثة متقدمة للحد من هذه الظاهرة، بيد أن الإحصاءات الرسمية أقرّت أنّ الظاهرة تلك ارتفعت في دورة 2026 بنسبة 49 في المائة مقارنةَ بالدورة السالفة. أما إذا أنصت المرْءُ إلى تعليقات مترشحي ومترشحات الامتحانات، ممن قضوا في أسلاك التعليم الثلاثة ما لا يقل عن 12 سنة، فإنّه يتيقن أن الغش بات حقا مشروعا، لتحصيل نقطة صارت هي الغاية الأسمى للتعليم، ومن أجلها يحق الاعتماد على أي وسيلة كيفما كانت.
والأمثلة كثيرة متعددة، نضيف منها أبلغها دِلالة وأوضحها معنى. ففي آخر تقرير أصدره البرنامج الدولي لتتبع مكتسبات المتعلمين (PISA) التابع لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE)، يحتل المغرب رتبا متدنيّة في المجالات الأساس: الرتبة 71 في الرياضيات، والرتبة 76 في العلوم، والرتبة 79 في القراءة، من بين 81 دولة.
أصل الخلل إذن ليس في الإمكانيات والمستلزمات، ذلك أن الوسائل متوفرةٌ وليس لنا مشكل ديموغرافي كما هي الحال في القارة العجوز؛ وإنما الاختلال في ما هو بالنسبة للتعليم بمثابة العصب الحسي للإنسان: أعنـي بذلك الأهداف والغايات.
فإذا كان الهدف من التعليم تكوينَ يد عاملة ” مرنة “، ” قابلة للتكيف ” مع تقلبات السوق (سوق الشغل خاصة) فإنّ ما يُزرع في تلكم اليد العاملة المستقبلية، من مبادئ وقيم وأخلاق، إنما يُجَـرَّبُ في المدرسة أوّلا، فلا عجب إذاك إن تفشّت أخلاق السوق ومبادؤه فيها وطغت عليها. أما إذا كان الهدف من التعليم بناءَ إنسان يُرادُ منه الإسهامَ في مشروع بناء مجتمع باقتصاد مستقل يوفي حاجياته وثقافة رصينة تنأى به عن الاستلاب المُعَولم… فإن عناصر المدرسة كــلَّها (أطرا وطرقا ومحتويات تعليمية…) تكون مُوَجَّهَــةً بتلك الغايات والأهداف، فَـتُـجَـنَّـدُ لتحقيقها وبلورتها في أرض الواقع، في حيز المدرسة أولا، ثم في نطاق المجتمع كُلَّهِ.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.