أخر الأخبار
الرئيسية » أخبار الساعة » الباحث في الفلسفة السياسية المعاصرة رشيد العلوي: “إننا حقا إزاء ثقافة فردانية بدون ليبرالية سياسية تؤسس لها وتدافع عنها”

الباحث في الفلسفة السياسية المعاصرة رشيد العلوي: “إننا حقا إزاء ثقافة فردانية بدون ليبرالية سياسية تؤسس لها وتدافع عنها”

فور تنمية

ضمن  سلسلة حوارات تقترحها جريدة فور تنمية على زوارها مع مفكرين ومثقفين وأدباء ومن أجل فهم أكثر وأعمق للتغيرات التي عرفتها المجتمعات بعد تفشي جائحة كورونا .

نستضيف في الحلقة الـ 22 من حواراتنا الأسْتاذ الباحث في  الفكر والفلسفة المعاصرة رشيد العلوي  الذي يرى أن أغلب الاصوات الممانعة والمقاومة  لجأت إلى الافتراضي كشكل جديد من اشكال المقاومة لا يستهان به.

 

مرْحباً بالأستاذ الباحِث في الفكر والفلسفة رشيد العلوي، أتقدّم لك بدايةً باسمي وباسم جريدة فور تنمية بالشكر الجزيل على قبولك إجراء هذا الحوار معنا، وأوَدّ أن أَبْدأَهُ، بسؤالٍ يتعلّقُ بجدَل الواقعيّ والافتراضيّ كإفراز من إفرازات أزمة كورونا وإرباكاتها. هل تعتقد أستاذ رشيد أن الافتراضي اليوم بات واقعنا الأساسيّ؟ وهل ترى بأن المؤشرات المتوفرة اليوم، تدل على أننا بصدد انتقال مبكّر إلى عالم الافتراض بوصفه واقعا حيّا بديلاً؟

شكرا لك صديقي عبد الواحد ولطاقم فور تنمية على هذه الحفاوة.

أتمنى كل الخير لهذا الوطن ولكل المغاربة في هذه الظرفية الصعبة. وبخصوص السؤال أعلاه يبدو لي أن العلاقة بين الواقعي والافتراضي كانت دوما حاضرة في النقاشات الجارية وبشكل كبير مع بداية الألفية الثالثة، ولكن ليس بالكيفية التي جرت به الأمور في زمن كورونا، وصحيح أن حالة الوباء الجديدة التي تسبب فيها فيروس كوفيد 19 قد سرع من وثيرة الافتراضي وتصدر القائمة في ظل الحجر الصحي الذي التزمت به أغلب الدول التي تعاني من انتشار الوباء.

دفع الحجر العديد من المواطنين عبر الكوكب الأزرق إلى التسلية عبر هواتفهم وحواسيبهم فالكثير من الوقت الذي كانوا يقضونه خارج منازلهم قبل الجائحة صار لدى الغالبية العظمى عبء يتوجب التخلص منه بأي شكل من الأشكال، من هنا لا خيار غير الإلهاء والتسلية فيما يشبه تصريفا لقدر محتوم وغير متوقع. اختار العديد من الناس انجاز أعمال منزلية كانت مؤجلة بسبب ضيق الوقت اليومي الذي يقضونه قبل كورونا في العمل والشارع والهوايات (الرياضة، القمار، المقاهي، المنتزهات…) غير أن الغالبية لم تتح لهم فرصة القيام بأعمال خارج المنزل لأن عددا كبيرا منهم يعيش في الاقامات السكنية التي لا تتوفر لا على ملاعب ولا حدائق… وخاصة في المدن الكبرى كالدار البيضاء مثلا، بل أكثر من ذلك هناك العديد من الأسر ان لم نقل العائلات التي تقطن أقفاصا من الاسمنت أو القصدير، أو التي تكدس في غرف الكراء عددا من الأفراد والتي تزداد معاناتها خاصة إذا كان عدد أفرادها يفوق الخمسة، لهذا نرى أن العديد من المطاردات الهوليودية التي يشنها الأمن والسلطات المحلية والمنتشرة بكثرة في وسائل التواصل الاجتماعية تعري جزء من حقيقة الوضع الاجتماعي لا سيما في أحياء شعبية كبيرة قد تعادل نسمتها حجم مدينة صغيرة، هذا ناهيك عن التعطش للحرية فالإنسان بطبيعته يعشق التحرر من القيود ولا سيما قيود السلطة، فالحرية جوهر الكائن الإنساني وبدونها لا معنى لحياته.

لقد ابانت اجراءات الحجر الصحي التي لا مناص منها لتفادي الأسوأ كما حدث في بلدان عديدة، عن عمق الازمة الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب سواء في ضعف بنيات التعليم والصحة أو في توفير فضاءات تحفظ الكرامة للمواطن المغربي وهذا ليس بغريب لأن معظم الدول التي تسمى متقدمة عانت الأمر نفسه ولعل أبرز مثال هو الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل وغيرها… التي عرت كورونا بنياتها الصحية غير المتاحة للجميع بسب ارتفاع رسوم التطبيب أو غياب التأمين العمومي المجاني للمواطنين.

يتم الترويج للجيل الخامس للأنظمة اللاسلكية G5 والتي ستغير الكثير في حياة الناس وفي تدبير شؤون المجتمعات في العالم ككل وهي تعمل بسرعة فائقة في ربط مختلف الأجهزة التي يستعملها الناس بالأنترنيت، مما يعني التأثير في التنظيم البشري وطبيعة العلاقات بين الناس ورقمنة التحركات والأنشطة التي يقوم بها الفرد، حيث الرهان على المدن الذكية. سيستسلم الجميع لقدر الجيل الخامس الذي فرضته الحرب الباردة بين الصين وأمريكا وستتعزز أكثر الرقابة السائلة التي تحسها متربصة في كل جانب من جوانب الحياة اليومية، وهو ما ينبئ بعصر ما بعد الإنسانية أو عصر الحضيرة البشرية كما سماه بيتر سلوتردايك وفي المقابل ستزداد المطالبة بالحرية أكثر من ذي قبل فالانسان كائن لا يقبل الترويض أو التدجين الأعمى لذلك يبحث دوما عن مخارج ومقاومات ممكنة لما تفرضه السلطة والرقابة بمختلف أنواعها.

سبق لعدة فلاسفة تحليل التطورات الجارية في المجتمعات المعاصرة وقدموا تفسيرات عديدة وتأويلات مهمة لفهم ما يجري: فهل نحن أمام عصر الانسان التكنولوجي حيث تختفي كل القيم التي تأسست عليها الحداثة الغربية قبل قرنين؟ هل يمكن قبول هذا التحول الجذري الذي سيغير من حياة الأفراد والجماعات معا؟

بطبيعة الحال لا يمكن للواقع الافتراضي أن يعوض الواقع المعاش في مختلف مستويات العيش والحياة، نحن بحاجة إلى الحياة الطبيعية في كل شيء، وقد أبانت حالة الطوارئ ووضع الحجر الصحي ملحاحية العودة إلى الحضن الأسري والعائلي والذي بدأ يتلاشى في المغرب منذ ما يقرب عقدين من الزمن. هو تغير مفروض وليس اختيارا حرا أو واعيا فقد وجد الأباء أنفسهم في ابتعاد عن أبنائهم وقد تقلصت أكثر بكثير الساعات التي يقضيها بعضهم مع البعض بسبب اعتماد التوقيت المستمر المعمول به وزيادة الساعة الإضافية والاختناق المروري الذي بات قاعدة وليس استثناء، وتملك جميع أفراد الأسرة للهاتف النقال وتوفر الانترنيت المنزلي بأثمن مناسبة على الأقل بالنسبة للبرجوازية الصغيرة والطبقات المتوسطة… كل هذه التغيرات وغيرها سيكون لها وقع على طبيعة العلاقات الاجتماعية داخل الحي وخارجه وحتى في القيم التي تحكم تلك العلاقات. قد يقول قائل إن كل هذا لا يمس في الجوهر غير المدن الكبرى كالدار البيضاء وطنجة ومراكش وفاس… لكن الحقيقة أن العالم القروي بدوره قد تغير بكثير، وبطبيعة الحال لا يمكن المماثلة بين ما طاله من تغير وبين تلك التي طالت المدينة.

أقصد بالحياة الطبيعية مجموع الأنشطة التي محتها الحضارة من قائمة انشغالات الفرد اليومية: البستنة، الاهتمام بالحيوانات، التعاطف والتعاون والتضامن الاجتماعي، والاستغناء عن مجموع الأنشطة التي كانت تبدو ضرورية في الوجود والتي تبين مع الجائحة أنها ثانوية، فالعديد من العادات اليومية التي ألفناها باسم الحضارة والتقدم اتضح أنه يمكننا الاستغناء عنها دون أن تؤثر في حياتنا. وهو ما سيعيد النقاش حول مسألة التقدم ومفهوم الحضارة أو النموذج التنموي المطلوب لاحظ مثلا الإشادة العارمة بدور التعليم والصحة والأمن وهي الخدمات التي تخلصت منها الحكومات المتعاقبة وقدمتها في صحن من ذهب للقطاع الخاص الذي يزداد جشعه يوما بعد يوم. لهذا يبدوا لي أن العديد من الراديغمات التي كانت مؤطرة ليوم كل واحد ستتغير بطريقة واعية أو غير واعية ومن هنا نفهم صرخة بعض الفلاسفة المعاصرين بأن عالم ما بعد كورونا لن يكون هو نفسه عالم ما قبلها.

الأهم أيضا أن مجموع التحولات قد تؤثر إيجابا أو سلبا على الثقافة والاقتصاد والفكر والفن… إننا حقا إزاء ثقافة فردانية بدون ليبرالية سياسية تؤسس لها وتدافع عنها بكل قناعة كاختيار للمشروع المجتمعي المنشود. هذا التشوه الذي طال الاختيارات المجتمعية المتصارعة على الاقل في المغرب المعاصر والتي ألخصها في ثلاثة: اختيار ليبرالي يدعم النسق السياسي القائم منذ قرون والذي يتلون ويتكيف فقط مع طموحاته في الارتكاز على سلطة المخزن ونظامها التسلطي. ثم اختيار اخواني دخيل تحمله قوى مغربية مغتربة ومستلبة تعيش على وهم السلف ولا تقدم أي بديل أو تصور واضح لكيفيات تدبير شؤون الناس والسير نحو التقدم بل استكانت لخدمة مصالحها الفردية لأن تجارة الدين عندها مربحة جدا. وأخيرا الاختيار اليساري الذي لا زال يقاوم من أجل التغيير نحو مغرب العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة، ولكنه لا يستطيع أن يجيب عن أزمته الداخلية منذ حوارات منتصف التسعينات وظل التشرذم عنوانه الأبرز.

يخترق كل اختيار مجتمعي تيارات متباينة ومختلفة من حيث المرجعيات الايديولوجية والطموحات السياسية ولكنها جميعا تتفق على الشعارات الكبرى.

إذا كان الافتراضي في البلدان المتقدمة يتجه أولا في خدمة البشرية ويتم استثماره لتسهيل الحياة على المواطنين وتقديم المعلومة المناسبة فإن الأمر يختلف في حالتنا وفي حالة مختلف البلدان في مستوى المغرب أو أقل. تعج وسائل التواصل الاجتماعي بالتفاهة أكثر من ذي قبل ولعل السبب يرجع تحديدا إلى تفشي الأمية وضعف الوعي فحتى المتمدرسون والحاصلون على شواهد عليا ويقلدون مناصب كبرى ينحدر لديهم الوعي أكثر بكثير من الفئات غير المتعلمة والنسبة القليلة منهم تفضل الصمت والاستسلام للوضع القائم وكأن النزعة الاستهلاكية التي غرستها الرأسمالية عبر وسائل عديدة قد أنتجت أفرادا مستلبين يجرون وراء الاستهلاك السريع وغالب الظن الاستهلاك غير الضروري. لذا فإن مهمة المثقفين اليوم أكثر مما مضى نقد تلك النزعة والكشف عن مخاطرها ولا جدواها في عالم يعج بملايين الفقراء ممن لا يلجون إلى الحاجيات الضرورية للبقاء على الحياة، فكيف تفسر مثلا – حسب احصاءات سابقة – أن ما يقارب 50 في المئة من نفايات الدار البيضاء صالحة للاستهلاك في الوقت الذي تصادفه فيه يوميا وفي مختلف الأوقات مشردين ومهاجرين سود ومتسولين لا يجدون ما يسدون به رمقهم، فأبشع الصور هو أن تجد شابا في مقتبل العمر أو امرأة تحمل ابنتها وتطلب ما تأكله أمام محلات الأكل. نفس الأمر يحدث في العالم الغربي الذي يدعي التقدم وقد تتبعنا في وسائل التواصل الاجتماعي مواطنين يتبضعون من القمامات حيث توجد مواد قابلة للاستهلاك.

إن من مهام المثقف عموما هو فضح الممارسات اللاإنسانية التي أنتجتها التفاوتات الطبقية والتوزيع غير العادل للثروة فنسبة الاستبعاد الاجتماعي اتسعت وتضاعفت آلاف المرات، بحيث يوجد من يصرف في اليوم الواحد وبطريقة عادية جدا أكثر من 2000 درهم في حين لا يصرف الكثير أكثر من 10 دراهم. فهل كان المغاربة في نفس الوضعية قبل ثلاثة عقود مثلا؟ لا أظن ذلك. لقد آن الأوان لمسائلة مجموع التحولات الجارية في مغربنا على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية… وطرح البدائل الممكنة لحفظ كرامة الانسان أولا وأخيرا وهذا هو رهان التنمية الحقيقية.

ألا تعتقِد أستَاذ رشيد أنّ نُزوح السّلطَة إلى الهيمنَة على هذا الفضَاء الافتراضيّ المفتُوح، (من خلاَل محاولَة تسيِيجِه بواسطَة قانُون عرّى لحْم السلطَة وتخوّفاتهَا منه) دليل علَى قوّته وأهميتِه في التأثير على القَرار السياسي والاقتصاديّ اليوم؟

 صحيح أن الافتراضي يشكل قوة بالنظر الى سرعته وتأثيره، وقد لجأت أغلب الاصوات الممانعة والمقاومة إلى الافتراضي كشكل جديد من اشكال المقاومة لا يستهان به، ففي سنة 1999 أتذكرت كيف استعملت حركة مناهضة العولمة البريد الالكتروني لمسؤولي المؤسسات المالية الدولية ولقادة مجموعة الخمس ومنتدى دافوس الاقتصادي وسيلة للاحتجاج على قراراتهم التي تعزز سيطرة الرأسمال المالي على احتكار الثروة العالمية، وقد جندت الحركة كل اعضائها ومناصريها لإغراق علب البريد الالكتروني للمسؤولين برسائل احتجاج مما دفع المسؤولين إلى التفكير الجدي في قوة تلك الحركة والتراجع عن العديد من القرارات التي كانت تعتزم اتخاذها. كانت هذه مجرد بداية وقد واصلت حركة البيئيين والخضر والقراصنة من أجل الحق في المعلومة نفس التحرك لإيصال مطالبها للمعنيين بها. كما أن التمردات والانتفاضات التي عرفها العالم في العقدين الأخيرين كان لوسائل التواصل الاجتماعي دور كبير في تنظيم المقاومات والنقاش حول المطالب وتأطير الاحتجاجات وفضح الفساد وتعرية واقع تحكم الأقلية في الموارد الطبيعية.

ثمة مبدأ مهم للغاية وهو أن تطور وسائل التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي يصاحبه بالدرجة الأولى تطور في وسائل مقاومة التحكم الذي تنهجه المؤسسات الكبرى الراعية لها والتي تخدم مصالح الرأسمال الخاص بشكل مباشر. من هنا بدأت القرصنة والتشفير الإلكتروني والتي لا يمكن محوها من تاريخ البشرية لأنها عريقة عراقة التقنية ذاتها.

يمكننا التمييز هنا بين نوعين من الرقابة تقع تحتها أشكال أخرى من التمييزات:

النوع الأول هو الرقابة التي تنهجها الدول في اطار ضمان سيادتها المعلوماتية وحماية معطياتها أمام منظمات تجسس كبرى.

النوع الثاني هو الرقابة على أفراد المجتمع كعمل روتيني يهدف إلى الضبط الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ولا سيما الرقابة المفروضة على الممانعين والرافضين للسياسات الرسمية، وهي رقابة غالبا ما تكون مقننة بموجب قوانين محلية أو اتفاقات دولية بين البلدان.

بخصوص النوع الأول لا أحد يمكنه الطعن فيه بالنظر إلى مسألة السيادة وحق الدولة في الحفاظ على أمنها، غير أن النوع الثاني قد يخترقه أغلب الظن الشطط في استعمال الرقابة أو في توظيف تلك الرقابة لأهداف غير الأهداف المرسومة له، وعموما في حالة قانون 20-22 فإن حكومة “تجار الدين” منذ ما يقارب ولايتين لا تتوانى في الاصطفاف الى جانب رؤوس الأموال والباطرونا المحلية والخارجية بهدف حمايتها من المقاومة الشعبية وممانعة الحركات الاجتماعية لأن دورها منذ التفافها على مطالب حركة 20 فبراير هو تلطيف حدة التناقضات وتحوير الصراع السياسي وشخصنته وجعله مجالا مبتذلا يفر منه الناس لكي تتمكن الأغلبية الحكومية من تمرير مشاريعها التي تقف ضد الارادة الشعبية.

السياق العام لهذا القانون مفهوم جدا ولا يخفى على أحد فنجاح المقاطعة التي شنها المغاربة السنة الماضية ضد بعض المنتوجات بسبب الغلاء كبد مجموعة من الشركات خسائر لا يمكن تقدير جسامتها وتندرج ضمن المس بالمصالح في حالة الشركات الاجنبية ذات النفوذ الكبير في الاستثمارات الخارجية بالمغرب. ولكن في نفس الوقت لا تنطلي الحيلة دوما على المغاربة فثمة من يستغل انخراط الشعب في المقاومة التي تشبه إلى حد كبير عصيانا مدنيا من أجل تصفية الصراعات السياسية بين الأطراف الفاعلة في الفضاء السياسي. هذا ناهيك عن أن وسائل التواصل الاجتماعي هي فضاء للمقاومة سريع التفاعل وفعال في التنظيم وغير مكلف بالمقارنة مع الاشكال الكلاسيكية التي اعتمدتها الحركات الاجتماعية الكلاسيكية: الحركة النقابية والطلابية والنسوية والحقوقية… إننا إزاء تحول كبير في طبيعة الحركات الاجتماعية والاحتجاجية على جميع المستويات: التنظيم، المطالب، التجذر، المناورة…

هذا السياق سيدفع حكومة تجار الدين إلى الدفاع عن مصالح الرساميل المحلية والاجنبية ارضاء لهم وهذا بشهادتهم هم أنفسهم أمام الملأ هكذا تم طبخ مشروع القانون الذي فُضح أمره بسبب الصراع السياسي بين بعض مكونات الحكومة. وعادة ما يتم تمييع الوقائع بحيث اتخذت من بعض الممارسات المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي من قبيل التهجم على الاخرين والقذف والسبب… مبررا لاعتماده في حين أن الحقيقة هي أن قوة تلك الوسائل في الممانعة والمقاومة والفضح تتسع أكثر بكثير وقد أطاحت بحكومات عديدة في سياقات سابقة.

إن ما يجري في العالم الافتراضي يدعو الباحثين إلى المزيد من الأبحاث لفهم الكيفيات التي تتم به هذه التقاربات الافتراضية بين الناس بغض النظر عن تبايناتهم الايديولوجية والسياسية.

السلطة دوما تخضع كل شيء للرقابة وهذا ليس جديدا، وقد تكون الرقابة التكنولوجية أقل تكلفة من أشكال الرقابة السابقة بحيث تمكنك من استثمار النتائج فورا بسبب تطور الذكاء الصناعي.

الشّيء بالشيْء يذكَر أستَاذ رشِيد، الظاهِر أنّ السلطَة اليَوم استعَادَت المبادَرة والفعْل بقوّة. لنلاحِظ أنّ الفَاعِل الأسَاسيّ اليوْم ليْس هو المنتخَب ولا هو الحزبيّ، ولاهو الفاعل المدنيّ المباشِر، ولكنّه “رجُل السلطَة” التقليديّ، الذي قَد يصعُب استيعَاب أدواره في نظريّة للعقْد الاجتماعيّ بوصفهَا شرطاً أساسيّاً لأي ديموقراطيّة ناشئَة؟ هل كشفَت هذه التدابير الاستثنائية حقيقَة ما يمكِن تسميته   بـ “الديموقراطية المعطُوبة”، خصوصًا من جهَة بعض الانفلاتَات التي مسّت حقوق الإنسَان، وضمُور الفعل السياسي الحزبيّ؟

يصعب الحكم هكذا على الأمور فالمتداول يشي فعلا بمنطوق هذا الكلام، لكن الأمر قد يكون أبعد من هذا فالفاعل هنا يفهم بمعناه الضيق في حين ان الفعل لا يرتهن بلحظة زمنية معينة أو ان شئنا الدقة بلحظة مؤقتة. تم استعادة السلطة مرحليا في مختلف الدول التي لا تستطيع أن توفر البنيات الصحية لمواطنيها كايطاليا وفرنسا وامريكا وايران متبعين في ذلك مخطط الصين، لكن هل هذه الاستعادة استراتيجية؟ لا أظن ذلك، لأن الرأسمالية فهمت منذ ما يقارب سبعة عقود أن القمع لا يولد غير القمع المضاد واستثمرت في وسائل قمع أخرى لينة وسائلة بتعبير زيغمونت باومان. كل دولة تدرك حجم قدراتها في المجال الصحي فالأرقام تتحدث في المغرب عن خصاص في عدد الاطباء يقارب ب 17000 طبيب ناهيك عن الممرضين، ولكن عموما تتشابه البلدان جميعها في عدم اهتمامها بالخدمات الاجتماعية التي خوصصتها منذ عقود وفوضت شؤونها لشركات كبرى كما حدث أيضا في مختلف المجالات أنظر مثلا للأدوية التي تحتكرها خمس شركات عابرة للقارات والتي تتصارع حاليا من أجل الظفر “بصفقة المستقبل” بعد اكتشاف اللقاح فهي تتسابق بشكل غير منظور من أجل ايجاد لقاح يضمن لها أرباح قرون مستقبلية قادمة. وقد نتجت هذه الوضعية عن تخلي الدول عن وظائفها التي وجدت من أجلها والتي تبرر أصلا وجودها فالعقد الاجتماعي لا يتأسس على مصالح الشركات وإنما على أمن الناس عموما: الأمن الغذائي والصحي والسيادي…

اتفق معك في ان استبعاد المنظمات الحقوقية والهيئات الحزبية وهيئات المجتمع المدني قد يكون خطأ متعمدا أو غير متعمد، إلا أن الحل الوحيد الذي كان أمام الدولة هو اللجوء إلى السلطة المحلية للجم غضب الناس الذين سيعانون من قرار حالة الطوارئ والحجر الصحي فليس هينا أن تقنع المواطنين بالمكوث في البيت وفي وضعيات صعبة كما أشرت سلفا والتي ترتبط بالوضعية الاجتماعية والمادية للعديد من الأسر فانظر مثلا لقرار منع الأسواق الأسبوعية هل ندرك حقا حجم المأساة التي سيتكبدها سكان القرى الذين لا صلة تربطهم بالعالم الخارجي غير السوق، أنا لا أتحدث وفقط عن اقتناء الحاجيات وتوفير المواد الغذائية والخضر والفواكه والأعلاف وانما عن فك العزلة لمدة شهرين وأكثر، في الوقت الذي يعانون فيه أيضا من ضعف شبكة الأنترنيت ان لم نقل أنها تنعدم في العديد من القرى، هل تدرك الحكومة أن مواطني الأرياف الذين يشكلون نسبة هامة جدا من الساكنة الاجمالية لا يتوفرون على وسائل وأدوات لمتابعة أبنائهم للتعليم عن بعد؟ بالكاد يجدون تغطية النقال للحصول على رقم الدعم المخصص من صندوق كوفيد 19 وما بالك بتغطية انترنيت لمتابعة التعليم في منصة تيس-تلميذ، لقد كشفت أزمة كورونا عن عمق الفوارق الطبقية ليس بين سكان المدن وانما بين المدن والقرى أيضا علما أن العالم القروي هو الذي يوفر الزراعة والحرفة واللحوم والألبان لسكان الحواضر الذين يعيشون في أحياء الاسمنت كصحاري قاحلة.

يؤشر الوضع الحالي عن عمق أزمة الديمقراطية التمثيلية /الديمقراطية غير المنقوصة في عصر العولمة. فاقصاء المنظمات المدنية والهيئات السياسية من تدبير الأزمة ستكون له انعكاساته، لأن السلطة التي تعتقد أنها ستبني وحدها العقد الاجتماعي ستؤدي الثمن غاليا، فالاحزاب والمنظمات المدنية تلعب دوما دور الوساطة وتجس نبض المجتمع كما أن من حقها المكفول دستوريا تأطير المواطنين، وكل تبخيس من دورها هو مغامرة غير واعيى، صحيح أن وضع هذه الهيئات يستدعي النقاش واعادة ترتيب أدواره الفعلية وتنظيم آليات اشتغاله وفق مبدأ خدمة الشأن العام قبل أية مصلحة أخرى. والغريب ان السلطة في المغرب تشتغل دوما بمنطق مزدوج حيث هناك جمعيات تحت أوامر السلطة وتأتمر بأوامرها وجمعيات خارج اللعبة الرسمية لأنها يمكن أن ترصد الخروقات الممكنة ابان فترة الحجر وقد تتبعنا عن بعد بعض حيثياتها وكما العادة تسارع السلطة المخزنية إلى آلية الابعاد والتأديب دون أن تضع المسؤولين عن الخروقات موضع المسألة القانونية. وهذا المنطق هو منطق البصري قد افل عهده ويجب القطع معه بشكل نهائي. وفي نفس الوقت هو منطق سلطوي – تسلطي كلاسيكي لا يستجيب لتحولات العصر حيث الحاجة إلى مقاربات تشاركية وتدبيرية مشتركة قائمة على ثقافة حقوق الإنسان والاحتكام للعهود الدولية مع ايجاد حلول ملموسة لأوضاع الناس المزرية فنفس الشيء سيتكرر أيضا في القطاع الصحي وقطاع التعليم ولا سيما علاقة المدارس الخصوصية والاباء حول أداء مستحقات شهور الحجر الصحي وستدفع المدرسة العمومية ثمن ذلك بحيث ستزداد نسب الالتحاق بالمدارس العمومية وهي ظاهرة تعمقت أكثر في السنين الأخيرة والسبب هو نفسه تدهور أوضاع الفئات الاجتماعية الأكثر حفاظا على الاستقرار. هذا المنطق السلطوي يحتاج الى تفكير عميق ففي الوقت الذي نجد تطورا كبيرا في تقنيات واليات الضبط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي على السلطة ان تتحول عقلنة التدبير الاجتماعي والتفكير بجدية في إشراك المواطنين في تدبير شؤونهم بحيث لا يمكن بناء مجتمع حداثي وعصري بسلطة متخلفة وبدائية جدا.

سؤال أخير، كيف يتصوّر رشيد العلوي “مغرب كورونا” في حال استمرّت الحال كما هيَ، أو خرَج لقاح (منقذُنا من الهلاك) إلى الوجُود؟

كغيري من المواطنين أتمنى الخروج من هذه الأزمة في أقرب وقت ممكن لاستعادة سير الحياة العادية رغم أنني لا أشكو من الحجر، فالناس متذمرون من وضعية الحجر الصحي الذي لم يألفوه من قبل. ولكن رغم هذا التذمر الملحوظ في وجوه الناس وأحاديثهم اليومية فإن الحجر قد غير الكثير من الأشياء في الأسلوب اليومي للأشخاص، كما أبان عن هفوات وعدم تحمل الأفراد للمكوث في البيت أكثر ويمكن تفسير الأمر بالتعطش إلى الحرية: حرية التجوال وممارسة الرياضات والعمل واللقاءات داخل الحي أو خارجه.

أقول أن العديد من البراديغمات ستتغير في حياة كل فرد ان بشكل واع او غير واع ورغم ذلك اتساءل أي عودة نتمناها او نطالب بها؟

البعض يتحدث عن العودة السريعة ويسمونها طبيعية والقليل ينتقد مصطلح الطبيعي فهل كنا نعيش حياة طبيعية؟

المدنية دمرت بحسب فهم روسو الأسس الطبيعية في الحياة البشرية، وقد اكتشف العديد من الناس أن الحياة الطبيعية هي التي دفعتنا إليها ظرفية الحجر ويعلنون ذلك بكل اريحية: “لا نريد العودة إلى الحياة البئيسة”. نعم أنها حياة بئيسة حيث الاستغلال المفرط ونزع المرح من وجوه الناس وغياب مرافق عمومية جيدة تحفظ كرامة الناس وتغلق الابواب في وجه الأطفال في مدارس أشبه بثكنات تغيب فيها وسائل السعادة والتعلم العملي والذاتي. أنا أؤمن بعبارة أدورنو البليغة: “لا توجد حياة حقيقيّة ضمن حياة زائفة”. وهو ما ليس ممكنا من دون الاستجابة للحاجيات التي تسمح للجسم بضمان الاستمراريّة. ينبغي ان تقوم المدنية على أسس جديدة يتم فيها احترام الحقوق والحريات وتعزيز المواطنة الحقة واقرار العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات والاهتمام بالانسان كأثمن رأسمال حقيقي في الوجود بدل الاهتمام بالاموال التي تفسد كل شيء.

أقضي يومي كغيري من الناس في منزلي ولا اخرج إلا لضرورات العمل وهي خرجات قليلة جدا أو للتبضع مرة أو مرتين في الاسبوع على أكثر تقدير. ولكنني لا أشتكي من الحجر يوما فقد الفت العزلة بحيث أختلي للعمل داخل المنزل لاستيفاء الالتزمات المعهودة في الكتابة والنشر واعداد واجبات التأطير التربوي او واجبات المهنة، وأحبذ القراءة كثيرا.

ورغم ذلك يظهر من وجوه الناس الخوف من الوباء ويتخذون مسافات التباعد الاجتماعي فيما بينهم. ولأول مرة أحس بقيمة الهدوء في مدينة البيضاء الصاحبة دوما رغم أنني أقطن في حي قليل الضجيج، غير أن الهدوء الممتد ما يقارب شهرين يحتك على معرفة قيمة اللاتلوث فقد صارت سماء البيضاء صافية ويمكن مراقبة النجوم من سطح العمارة وهو أمر لم يكن متاحا على الاقل خلال 15 سنة التي أقطن فيها هذه المدينة.

أما عن مستقبل العالم أي عالم ما بعد كورونا فأظن أن الامر يحتاج إلى تفكير عميق يساهم فيه الجميع لأنه يخص كل مواطني العالم قاطبة، ولنكن حدرين أن الرأسمالية العالمية لا يمكنها أن تبقى مكتوفة الأيدي لأن كوفيد 19 أبان عن انهيارها التام: فلا علوم قادرة على انتاج اللقاح منذ ما يقارب نصف سنة وربما سيمتد سنة أو أكثر ولا بنيات حقيقية للخدمات الاجتماعية: الطوارئ، الانعاش، الأسرة الصحية، نفص الموارد البشرية في المستشفيات العمومية، ولا تعليم يفي بأغراض الانسانية وإنما تخصصات تظل في خدمة الرأسمال وانتاج الثروة وأدوات الاستغلال الطبقي والتحكم التسلطي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *