الرئيسية » أخبار الساعة » باحث من سيدي بوعثمان يقرأ مظاهر الاحتجاج عن الحق في الماء بالمغرب الراهن

باحث من سيدي بوعثمان يقرأ مظاهر الاحتجاج عن الحق في الماء بالمغرب الراهن

لفور تنمية الأستاذ الباحث: حسن الخلفاوي

في الوقت الذي تتعالى فيه صيحات المنتديات الدولية عن عواقب التغيرات المناخية على كوكب الأرض، وتداعياته السوسيواقتصادية والسياسية. تتغنى المنابر الإعلامية الوطنية في برامج سياساتها العمومية عن رهان تحقيق العدالة المجالية  بين مختلف ربوع المملكة وتحقيق التنمية البشرية المستدامة .

غير أن واقع الحال يكشف عن وجود أزمة حقيقية  وسط جملة من التناقضات البنيوية، في الهياكل المؤسساتية المرتبطة بتحقيق هذا الحلم التاريخي. ولعل من أبرز هذه التناقضات والمفارقات، هو وجود العديد من بؤر التوثر المرتبطة بالماء بين الحاجيات والضروريات.

من منطلق أن الماء معادل للحياة والاستدامة الفعلية للنشاط البشري، “وجعلنا من الماء كل شيء حي”  الآية 30 من سورة الأنبياء. يبقى الماء هو الرهان الحقيقي في كل تدخل سياسوي أو تدبيري. لكن الوضع الراهن يبين على  أن هذا المقوم يضل غائبا في جل السياسيات والبرامج الاقتصادية والاجتماعية التي يضعها واضعي المشاريع التنموية  بالبلاد. بحيث تعيش مناطق حضرية او قروية على الوفرة غير المنظمة ، وتعيش مناطق أخرى وخاصة القروية نذرة وسوء التدبير . مما جعل الشارع المغربي يعرف موجة من الاحتجاجات الساخطة في الآونة الأخيرة من قبل سكان المناطق المتضررة التي خرجت تحث شعار واحد” الحق في الماء” .

 وقد اختلفت مظاهر  هذا الاحتجاج باختلاف دوافعه. اذ بعض الدواوير خرج سكانها منددين بثلوث المياه ،والبعض الآخر خرج بدافع انقطاع الماء الصالح للشرب عن منازلهم، أو عن جفاف الآبار والعيون. وآخرون خرجوا محتجين عن غلاء فواتير الماء التي وصفوا أسعارها بالصاروخية .

والمتتبع لهذا الشأن يرى بوضح أن هذه الاحتجاجات ليست مرتبطة بمجال جغرافي معين، حتى لا تنسب هذه الاحتجاجات الى دوافع سياسية او من أعداء خارج الوطن او لصراعات سياسية بين المنتخبين ورؤساء الجماعات والغرف. وإنما هي ظاهرة عامة بمختلف الربوع ومنها على سبيل المثال خروج ساكنة جماعة شكولة بالصويرة، الذين احتجوا بسبب عدم وجود المياه بالمنطقة. ومن مظاهر هذا الاحتجاج، خروج رجال القبيلة مرددين شعارات عدة أبرزها ” الحفير هاهوا والماء فيناهوا” وشعار” كثرة الكلام ماتروي عطشان” ولعل مضامين هذه الشعارات تعكس بشكل قوي مدى إحساس المواطنين بهشاشة المشاريع التي تغيب فيها الرؤية الاستراتيجة التي تتغنى بها المنابر الإعلامية الحكومية.   وكذا عن عدم وفاء المنتخبين بتحقيق طموحاتهم  ومطالبهم.

  وجماعة سيدي موسى المجذوب بعمالة المحمدية التي اتخذ محتجوها مظهرا آخر تمثل في خروج نساء وأطفال المنطقة، حاملين معهم قنينات ماء بلاستيكية فارغة وعصي مرددين شعارات مرتبطة بالحق في الماء. منها على سبيل المثال: ” سوا اليوم سوا غدا، الماء ولا بدا”  وعلاش جينا واحتجينا، على الماء لي بغينا” . مما يعكس أن قضية توفر الماء الشروب هي ضرورة وليست اختيار حكومي، كما أن الماء ليس مرتبط بالحاضروفقط، وإنما بالمستقبل كذلك. وهذا هو المعنى الحقيقي للاستدامة حسب الجماهير المحتجة. كما تعبر هذه الشعارات كذلك على أن الماء هو حق وليس صدقة يتغنى بها المنتخبون ورؤساء الجماعات وغيرهم.

أما بصخور الرحامنة  ودوار المخاليف بسيدي بوعثمان وسيدي بوبكر بإقليم الرحامنة ، فقد خرج سكان الدواوير محتجين  بالعربات التي تجرها الحمير وسط صراخات العطشى ” منددة بتهاون رؤساء الجماعات وعن شح الأبار التي كانت تزودهم، بعدما أن تم  انجاز مشاريع فلاحية ضخمة  من طرف ذوي النفوذ تستعمل المضخات لإستغلال مياه الفرشة الباطنية بشكل لا يراعي حقوق الساكنة من هذه المياه. كما لا يراعي وضعية المياه وحجمها بالفرشة الباطنية . أما بدوار ظهر “تزمورت “بالحسيمة فقد  خرج الحسيميون محتجين بالحميروكأنه مهرجان مطالبين بالحق في الماء ووقف المزروعات التي تستهلك كميات كبيرة من المياه.

 خاصة البذور الدخلية من الأنواع الجديدة من القنب الهندي ” خردالة –الهجالة-كركيتا” التي تزرع في شهر ماي أي بداية فصل الصيف حيث تنعدم التساقطات ويقل الماء. أما ببني ملال ومراكش و القنيطرة ووجدة وقلعة السراغنة ، فقد خرج المحتجون بلافتات ورقية وبلاستيكية احتجاجا عن غلاء فواتير الماء التي لا تراعي وضعية المستهلك واصفين الأسعار بالصاروخية. مرددين شعارات عدة أبرزها ” الفاتورة نفختوها والمياه قطعتوها” وشعار” المهرجانات درتوها بالمليارات والماء جبتوه من الضايات”. ولعل هذه الشعارات تبين مدى الهشاشة في تدبير الشأن المحلي كما تبين غياب رؤية استراتيجية في السياسات العمومية عن تحديد الأولويات في المشاريع التنموية. فرؤية المحتجين ترى أن الأولوية للماء قبل الرقص وغيرها.

اما بمناطق آخرى بالجنوب المغربي، فقد اتخد الاحتجاج مظهرا آخر أكثر حدة من سابقاتها وهو المواجهة المباشرة مع القوات المخزنية بكل الوسائل المتاحة الحجارة والعصي والفؤوس والمعاول  وغيرها دفاعا عن الحق في الماء . هذا المشهد الأخير وإن لا زال مقتصرا على بعض المناطق وحضوره بشكل نسبي ، فإن مع توالي حدة ازمة قلة الماء يمكن ان تعم مثل هذه المواجهات المباشرة والمفتوحة بشكل مطلق

  ولعل تاريخ المغرب يشهد بالعديد من الاحداث التي تؤكد على أن مسألة الماء وتوفره هي المحدد الوحيد لإستتباب الأمن الداخلي للبلا،د وأن غيابه هو الترجمة الوحيدة لعدم الاستقرار . وقد أشار الى ذلك العديد من المؤرخين والجغارفة والرحالة والسوسيولوجيين وغيرهم. مما جعل المقيم العام الفرنسي الجنرال ليوطي الذي كان همه الوحيد هو ايقاف حالة الثوثر بالبلاد وضمان نجاح مشاريعه التنموية، يترك شهادة تاريخية تبين الى أي حد يعتبر الماء سيف ذو حدين، به يرتبط الأمن  وبه يرتبط  اللاأمن . بحد قوله ” ان تدبير أمور المغرب مرتبط أساسا بنزول الأمطار(الماء) ، فإذا أمطرت السماء عم الهدوء  والسكينة ، وإشتغل الناس بحراثة الأرض وخدمتها ، بدل الخوض في النزاعات العميقة..” .

ان هذه الشهادة التاريخية يجب أن  تمثل مرجعية أساسية لدى أصحاب تدبير شؤون السياسات العمومية بالبلاد، لأن ضمان الأمن والاستقرار بالبلاد يبقى من اولى الأولويات في الوقت الراهن، أمام حالات الاحتقان و تنامي ظاهرة الاحتجاجات الشعبوبة بالعالم العربي من جهة ، وأمام حالات التطرفات المناخية العالمية التي يشهدها العالم  من جهة ثانية.

  أمام هذه الأخيرة وفي ظل تزايد حدة التغيرات المناخية وتوالي سنوات الجفاف بالبلاد، وقلة الماء وتزايد عدد السكان وتزايد حاجياتهم منه، تبقى قضية  الماء لدى الشعب قضية “حياة أو موت” كما ستبقى حالات الاحتجاج ظاهرة مستمرة في ظل غياب آذان صاغية ورؤية حكيمة، تراعي وتعترف بأن الماء هو حق من حقوق العيش الكريم، وتوفره وضمان وجوده وسلامته، يعد مظهرا من مظاهر دولة الحق والقانون ومظهرا من مظاهر دولة الكرامة وتجسيدا للعدالة المجالية والاجتماعية بالمغرب.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *