الرئيسية » أخبار الساعة » الباحث ناجي بن عمر ينبش في تاريخ العيطة المغربية والرحمانية (الحلقة الأولى)

الباحث ناجي بن عمر ينبش في تاريخ العيطة المغربية والرحمانية (الحلقة الأولى)

لفور تنمية: محمد  ناجي بن عمر

ترددت كثيرا في الكتابة عن موضوع هام شغل بالي وما زال منذ زمن طويل وهو واقع العيطة الحوزية بالمغرب ، صحيح أنني كنت اشارك بين الفينة والأخرى في هذا الموضوع وغيره المتصلة بالثقافة الشعبية في المغرب عموما وبقبيلة الرحامنة خصوصا ، كما وفرت لكثير من الباحثين معطيات ميدانية هامة منهم من اشتغل بها ونال على إثرها شهادات جامعية عليا. لكن السؤال الذي مازال لم أتلق عنه إحابة علمية كافية ترضي فضولي بعيدا عن أي نرجسية أو ادعاء تميز مفتعل هو : ما السبب وراء شبه انقراض لهذا المكون الثقافي الرحماني؟ للإجابة عن هذا السؤال رجعت بالذاكرة إلى سنوات خلت حيث انتبهت وزارة الثقافة إلى ضرورة توثيق أشكال فنية مغربية من طرب أندلسي ، وملحون، ومؤخرا عيوط في أنطولوجيات بذلت من أجل إنجاحها كثير من الأموال والجهود. ….(قدمة)تضمنت أيضاًوقوفاًعندتجارب أهم….(مغني)ومغنيات العيطة؛مثل فاطنة بنت الحسين (1935-2005)،والحاجةالحمونية (1937-2013)،ومحمدالعروسي (1934-2014)،وبوشعيب البيضاوي (1928-1965) والماريشال قيبو (لايعرف تاريخ ولادته ورحيله لكنه مجايل للبيضاوي كما شارك في موسيقى وغناءالألبوم العديدمن الأسماء،من أبرزهم أولادبنعگيدة،وخديجة مرگوم،وأولادالبوعزاوي،وخديجةالبيضاوية،ومصطفى البيضاوي،وولدقدور علما أن منهم من لا يغني العيطة وإنما السواكن أو الأغنية الشعبية.وشكلت هذه النصوص السمعية مصدرا هاما لكثير من الباحثين علما أن بها كثيرا من الخلل ليس هذا مكان الخوض فيه. فاللافت للانتباه عدم وجود ذكر لأي علم من أعلام العيطة الحوزية المعاصرين مثل الدريوكي ، أو العبد ،او أي شيخة معاصرة، ولعل السبب وراء ذلك صعوبة الحصول على ممارسين جيدين حالت ظروفهم الاجتماعية القاسية دون ظهورهم على الساحة الوطنية بما في ذلك أفراد مجموعة لمخاليف التي تصور سهرات بين الفينة والأخرى في القناتين العموميتين الأولى والثانية مقابل مبالغ مالية زهيدة لوصلات يطغى عليها الإيقاع والرقص واستعمال أدوات دخيلة على العيطة كالبندير والقعدة. إضافة إلى أن المقامات التي تعزف عليها عيوط الحوزي المعروفة بإيقاعاتها المركبة لأن لا الوقت يكفي ، ولا طقوس الأداء تسعف. علما أن ما يؤدونه أقرب إلى الميازين أكثر منه إلى العيوط التي لها شروط إلقائها وتأديتها. بل هناك من الباحثين من يخلط بين العيطة الحوزية ، والعيطة الملالية علما أن العيطة الحوزية لا علاقة لها بالعيطة الملالية رغم التقارب الجغرافي واللهجي ، فالأولى متأثرة كثيرا بالمقامات الخماسية السوسية المنبعثة من الجنوب في حين تتأثر الثانية بالإيقاعات الأمازيغية للأطلس المتوسط. أنا في هذه الورقة لن أتحدث عن هذه الاعتبارات التقنية والفنية تاركا ذلك للمختصين في هذا المجال على قلتهم ، وإنما أريد أن أشير إلى نقطتين هامتين الأولى :ارتباط العيطة الحوزية بالنمط القائدي، والنقطة الثانية علاقة العيطةالحوزية بالمستعمر الفرنسي.
أولا :اعتبر القياد الكبار وسط المغرب خاصة عمر بن عيسى العبدي والقائد العيادي أن أقرب الأشكال الفنية التي يمكن أن تترجم طبيعة حياتهم ، وتميزهم هي العيطة باعتبارها تخاطب فئة كبيرة من المغاربة حيث نسبة الأمية مرتفعة جدا بين صفوفهم ، والحرص على أن توصل هذه الأشكال الفنية هذا القائد إلى شعور المقهورين بأنه رمز لقيم الشجاعة ، والعفة ،والعدل، والكرم وهي قيم مدحية لعرب ما قبل الإسلام والدليل على ذلك أننا لا نتوافر على نصوص عيطية يذكر فيه هؤلاء القياد باعتبارهم متدينيين، أو ورعين، أو محبين لأهل الله كما لو أن ذكرهم بهذه الصفات تزيل عنهم هيبتهم الدنيوية ، وتجعلهم أقرب إلى أهل الزوايا والصوفية باعتبارهم المستسلمين والخاضعين لقضاء الله وقدره . من هذا المنطلق تعامل هؤلاء القياد مع ” الشْياخ” باعتبارهم موقرين بل إنهم أرادوا لهم أن يحتلوارتبة في الدرجة نفسها للطلبة والرما “الرماة”، وكانت الفرق الموسيقية المؤدية للعيطة متمتعة بوضع اجتماعي خاص ، باستثناء ما وقع بين خربوشة وعيسى بن عمر مع ما في الأمر من لبس وعدم وضوح. وهكذا ضل القياد يتبادلون الفرق الموسيقية المؤدية للعيطة فيما بينهم ويتباهون به…..(كمل) لو أنها عملات ثقافية مميزة توكل إليها مهمة تسويق الموروث الثقافي والفني لتلك القبيلة أو تلك ، بل إن من الفنانين الشعبيين من كان ينقل أسرار هذا القائد إلى ذاك أو يطلب التدخل إليه عند الآخر أو فرارا منه كما وقع لخربوشة مع القايد العيادي حسب ما تتداوله الرواية الشفوية.
بطبيعة الحال كانت السلطات الفرنسية تتبع هذه الأمور عن قرب ، وتدرك مدى مفعول وأثر العيطة في نفوس المغاربة الأميين أغلبهم لأنها تدغدغ عواطفهم ، وتذكرهم ببطولاتهم وإن كانت أغلبها تخييلية ومبالغ في وصفها مما يذكي مزيدا من الحماس ضدها، فانتبهت إلى طريقة ذكية من أجل زعزعة هذا المعتقد في نفوس المغاربة وروجت إلى أن هؤلاء الفنانين الشعبيين ذكورا وإناثا خارجين عن المألوف الاجتماعي وأنهم يدخنون المخدرات ، ويشربون المحرمات ،ويرتكبون الفواحش، بل إن السلطات الفرنسية كانت تشجع جولان تلك الفرق الموسيقية في الدواوير لا لنشر العيطة ، وإنما لتتحول تلك الفنانات من مؤديات إلى أجساد للكراء ويتحول الشيخ من رئيس فرقة وآمر وناه إلى قابض أجور ممارسات جنسية ، وبهذا يسقط عنه لفظ شيخ مؤقتا ويتحول إلى شيء آخر.فالهام بالنسبة للسلطات الفرنسية هو جعل هؤلاء الفنانين الذين يكون أغلبهم من أوساط فقيرة جدا مجرد فئات هامشية لا يعتد بما يقولون ولا بما يروجون لأن تصرفاتهم لا تحظى بقبول اجتماعي ، ولا ديني . والخطة نفسها سلكتها مع رمزين ثقافيين كبيرين في الثقافة المغربية هما الشيخ، والمقدم وهذا موضوع سأعود إليه قريبا إن شاء الله.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *