الرئيسية » أخبار الساعة » الباحث ناجي بن عمر والعيطة الحوزية بالرحامنة (الحلقة الأخيرة)

الباحث ناجي بن عمر والعيطة الحوزية بالرحامنة (الحلقة الأخيرة)

لفور تنمية: محمد  ناجي بن عمر

ماذا وقع للعيطة الحوزية؟

ارتبطت العيطة الحوزية بالرحامنة خصوصا ، وهم في عمومهم محافظين كثيرا ، ولا أقول متدينين كثيرا،وكانت العيطة بالنسبة لهم شأنا موسميا وليس يوميا مثل الحصباوي ، والمرساوي بالشاوية وعبدة، وكانت الفرق الموسيقية المؤدية للعيطة الحوزية معدودة على رؤوس الأصابع مما جعل إمكانية تغطيتها لأعراس أبناء المنطقة شبه مستحيلة أحيانا أمام كثرة الطلب وفرض على تلك الفرق الموسيقية تأسيس شبه نقابة تعنى بتدبير هذه العملية مع تخصيص صندوق للحالات الاجتماعية الطارئة لأفرادها من مرض ، وزواج ، وحج…

فالرحامنة يتعاملون مع العيطة الحوزية باعتبارها فنا نخبويا بمعنى ليس بإمكان أي أحد كيفما كان أن يكون شيخا حوزيا ، ولا أي احد أن يتتبع هذه الأغاني لأنها لم تكن في الأصل جماهيرية بل كانت محدودة الجمهور بل إن عناوين العيطة الحوزية من قبيل : رجال البلاد، و خالي ياخويلي،وگاع بغيتو رويضية ، وصولي فرياضو، وشريفي بويا رحال ،و مول الشعبة لگديم،وبن كبورة سي احمد ،و الخادم، ومصطلحات فنية مثل : لعصابة ، ولحب ْ ، والتعراض ، والسوسان، والميزان، ورد القوس …تثير فينا رغبة قراءة نصوصها التي غالبا ما تكون نصوصا مكثفة الدلالة ليس هذا مكان التفصيل فيها.
لماذا تراجع الاهتمام بالعيطة الحوزية المهددة بالانقراض:
الهجرة القروية والتغير الديموغرافي ….(ال\ي) عرفته المنطقة.

۔عدم استحضار الجهات المختصة كيف أن الثقافة تتخلل نسيج الحياة كله بحيث يمكننا الخلط بين الثقافة وبين الحياة ذاتها وعدم القدرة على الفصل بينهما .
۔ عدم وضع سياسة ثقافية محلية وجهوية تهدف إلى توثيق كافة الأشكال التعبيرية في المنطقة بما في ذلك العيطة الحوزية.
۔عدم ربط الأشكال الفنية التعبيرية ومنها العيطة الحوزية بتنمية المجتمع الرحماني لأن من أهم مميزات هذه العيطة أنها وثيقة اجتماعية ، وتاريخية ، وفكرية ، وجمالية ، واقتصادية ، وبإمكان بحوث جادة في الموضوع الاشتغال على هذا الموضوع دون نرجسية أو شوفينية أو تضخيم للذات.
۔ غياب الشرط الثقافي لإنتاج الفعل العيطي.
۔ صعوبة….(آدائها) وحفظها لأنها تتطلب مجهودا استثنائيا إلى درجة أن أشهر الشيخات المغربيات مثل فاطنة بنت الحسين ماتت وفي نفسها شيء من الحوزي.
۔ الوضعية الاجتماعية الصعبة لفنانيها ولجوئهم إلى فن الحلقة مما جعلهم أقرب إلى المتسولين منهم إلى الفنانين.
إدخال آلات موسيقية وإيقاعية لا علاقة لها بأصل العيطة التي كانت تؤدى أولا بالغيطة، ثم الوتار ، أما الكمان الكمنجة فحديثة العهد في الاستعمال.
۔ عدم نفض الغبار عن تاريخها ورمزيتها في البحوث الأكاديمية خاصة في مستوى الإجازة حيث يمكن للباحثين المنحدرين من المناطق التي فيها فرق موسيقية من تدوين هذا الموروث.
۔صعوبة الاستشهاد بالكلام العيطي في الحياة اليومية ولو على سبيل الحكمة والموعظة، واعتبار كلام البحباحة أي ناظمي الكلم العيطي للاستئناس فقط وليس للأجرأة اليومية.
۔منافسة الأغنية الشعبية باعتبارها تتناول مواضع بسيطة يغلب عليها الصخب الإيقاعي وهو مطلب الغالبية الكبرى من الجمهور القروي خاصة أما الحضري فله ذوقه الخاص .
۔ضعف استثمار الكلام العيطي الحوزي في الأشكال الفنية الشبيهة بالفرق الموسيقية الشعبية القديمة ، واقصد بذلك ظاهرة المجموعات التي ظهرت في سبعينيات القرن الماضي فباستثناء فرقة تگادة ، وناس الغيوان فإن الفرق الأخرى اتجهت نحو الملحون والشعر العامي.
۔ تعامل النخبة المثقفة مع العيطة الحوزية ليس باعتبارها مكونا هوياتيا بقدر ما اعتبرتها شكلا نغميا فرجويا تتلذذ بالاستماع إليه في مناسبات متباينة.
۔ غياب جمعيات فنية تجعل هدفها التصالح مع هذا النمط الفني ، والسعي نحو النهوض به على غرار الأشكال الفنية الأخرى.
۔ إقبار محاولات ثقافيةجادة فقد فكر النسيج الثقافي في مدينة بن كرير سنة 1997 تأسيس مهرجان سنوي عن العيطة الشعبية ، واقيمت ندوة ناجحة حضرها كل المهتمين من أعيان ومثقفين ومسؤولين وممارسين وصدرت توصيات هامة في الموضوع لكن دون تتبع, والفكرة نجحت في آسفي حيث اصبح يعقد سنويا مهرجان العيطة الشعبية.
وهاهي الساحة الفنية في ابن جرير تفقد آخر عازف كمان حوزي أوشيخ حوزي المسمى قيد حياته لمحيجيب ، وهو من أعلم……( العيطى) الحوزي الذي غنى في القصور والرياض والمناسبات الوطنية والحفلات العائلية بأناقة كبيرة, صحيح أنه تقدم به السن واصبح لا يقوى على ………الآداء، لكن قلة قليلة من ابناء المدينة من يقدره ويحسن عليه لأنه عاش ظروف حياة قاسية من فقر وتهميش ولا مبالاة. وأعتقد أن مثله كثير في غياب استراتيجية ثقافية محلية وجهوية للعناية بمثل هؤلاء الفنانين . عندما يموت شيخ حوزي تخرم ذاكرة الإنسان الرحماني يبدو كلامي مبالغة ، لكن أقول للمشكك فيه أن الشيخ الحوزي الحقيقي مكتبة ثقافية ، وجسد حضاري ، وقيم معرفية عميقة سلاحها سرعة البديهة ، ودقة الكلام ، ووضوح العبارة ، وأناقة النغم.كل هذه الأحداث تمر أمامنا ، وتدون الأيام ما شاءت لها أن تدون ، ونحن في غفلة عن هذا الهدر الثقافي الهوياتي الوطني . نعم الشيخ الحوزي بالمفهوم الحقيقي للكلمة لا كما يراد للعموم تمثله ، شخصية وطنية متشبعة بمقوماتها الوطنية بل إنه لا تخلو مناسبة من المناسبات الوطنية لا يشارك ويبدع فيها دون مقابل في احايين كثيرة. ……..(أن) كنت محظوظا جدا بأن استمعت من لمحيجيب رحمه الله لأخبار كثيرة من داخل قصور قياد وشيوخ وأعيان كبار في الرحامنة ومراكش ، فهو ينحدر من الحوز ويعرف خبايا كثيرة لما أقارنها بروايات شفوية أخرى ، او أخبار مكتوبة في كتب الحوليات ، أو الرحلات أو السير ، أو التراجم أجد فيها تقاطعات كثيرة. قد نكون رحمانيين اليوم بتاريخنا ومقوماتنا الحضارية والفكرية والجمالية والثقافية التي ورثناها في هذا الوطن العزيز ، لكن هل أبناؤنا سيبقون رحمانيين وهم لا يعرفون من تاريخهم وحضارتهم إلا معلومات سطحية قريبة إلى فقاقيع الهواء المتطايرة. هل سنبقى مكتوفي الأيدي وعمراننا الثقافي في أبعاده المختلفة والمتنوعة تتسلل من …….(\اكرتنا) كما يتسلل النوم بين رموش من يغالب النوم ، والنوم موت .؟هل ستعتبر مثل هذه الخرجات الإعلامية نزوة غيور نرجسي كما يحاول للبعض قوله؟ ماذا علينا فعله؟ من علينا مخاطبته؟ البنايات موجودة والتجهيزات متوافرة ولا نفكر في إحياء أنماطنا الإيقاعية والفنية… الواقع أن الأمر مقلق. الحوزي في انقراض لأننا نحن من يسهم بشكل أو بآخر في انقراضه، نعم نحن المسؤولون كل من موقعه: المنتخب ، والمثقف، والممارس ، والوصي على الشأن الثقافي… فلا تدق الأجراس إلا إذا كان الأمر جلل رحم الله لمحيجيب ، وأعان كل مهتم على حفظ الذاكرة حتى لا تحجب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *